سوريا بعد الأسد: بين الحسابات الأميركية واختبار الدولة

إن سقوط نظام بشار الأسد لن يكون نهاية الصراع السوري، بل بداية صراع من نوع آخر: صراع على شكل الدولة، وعلى من يملك قرارها السيادي. فالأزمة في سوريا لم تكن يومًا أزمة شخص فقط، بل أزمة بنية حكم، وأزمة موقع جيوسياسي جعل البلاد ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية.

في هذا السياق هل يكون وجود أحمد الشرع كرئيس لمرحلة انتقالية. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالرجل بقدر ما يتعلق بالميزان الذي سيحكم حركته: أي سقف إقليمي ودولي سيسمح له بالتحرك؟ وأي حدود سترسم لدوره؟

ماذا تريد الولايات المتحدة؟

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، السياسة تُبنى على المصالح لا على العواطف. أولوياتها في أي مرحلة سورية جديدة يمكن تلخيصها بأربع نقاط واضحة:

ضمان أمن إسرائيل كأولوية استراتيجية ثابتة.

تقليص نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة.

منع عودة التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية.

تحجيم الدور الذي لعبته روسيا في تثبيت النظام السابق.

واشنطن لا تبحث عن «نموذج ديمقراطي مثالي»، بل عن سلطة قادرة على ضبط الإيقاع الأمني والسياسي بما لا يتعارض مع مصالحها. فإذا انسجمت الديمقراطية مع هذه المصالح، مرحبًا بها. وإذا أفرزت مسارًا مقلقًا، فستُعاد هندسة المشهد بوسائل الضغط المعروفة.

هل تولد الديمقراطية من سقوط النظام؟

التاريخ الحديث لا يمنح وعودًا سهلة.

في العراق، بعد إسقاط صدام حسين، أُطلقت عملية سياسية جديدة، لكن غياب المؤسسات الصلبة وحلّ الجيش فتحا الباب لانقسامات عميقة ونفوذ خارجي واسع.

في ليبيا، بعد سقوط معمر القذافي، انهار المركز وتعددت مراكز القوة المسلحة.

في تونس، بعد رحيل زين العابدين بن علي، بدا الانتقال واعدًا، لكنه اصطدم بأزمات اقتصادية وسياسية أعادت إنتاج التعثر.

وفي البوسنة، كرّس اتفاق دايتون سلامًا هشًا قائمًا على توازنات دولية معقدة.

القاسم المشترك في هذه التجارب أن إسقاط النظام لا يعني تلقائيًا بناء دولة. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب، بل مؤسسات، واقتصاد مستقر، واحتكار شرعي للسلاح.

هل يستطيع أحمد الشرع أن يستمر؟

الاستمرار في مرحلة انتقالية مضطربة لا تحسمه النوايا، بل موازين القوى.

أولًا: هل يمتلك شرعية داخلية عابرة للانقسامات، أم أنه نتاج تسوية مرحلية؟

ثانيًا: هل يستطيع توحيد القرار الأمني ودمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسة وطنية؟

ثالثًا: هل يملك هامش استقلال حقيقي، أم أن بقاؤه سيكون رهينة التفاهمات الدولية؟

في كثير من تجارب ما بعد الحروب، تحولت الشخصيات الانتقالية إلى مجرد عناوين مؤقتة لأن القرار الفعلي كان موزعًا خارج مؤسسات الدولة. وإذا لم يتحول الانتقال إلى مشروع سيادي واضح، فإن أي قيادة ستبقى محدودة بحدود اللحظة الدولية.

الخاتمة: إما دولة… أو وصاية جديدة

التاريخ لا يرحم الشعوب التي تكتفي بتبديل الحاكم وتترك بنية السلطة كما هي.وسوريا اليوم تقف على حافة مفترق مصيري: إما أن تخرج من تحت ركام الحرب دولةً سيدة قرارها، أو تتحول إلى ساحة إدارة دولية غير معلنة، تُدار بخيوط العقوبات والتمويل والاعتراف السياسي.

لن تكون الديمقراطية منحة أميركية، ولن يكون الاستقرار هدية مجانية.

الولايات المتحدة لا تبني دولًا لوجه الحرية، بل ترعى توازنات تخدم مصالحها. ومن يظن أن الخارج سيصنع سيادة الداخل، يكرر خطأً تاريخيًا دفع السوريون ثمنه مرارًا.

السؤال لم يعد: من يحكم دمشق؟

السؤال هو: من يملك القرار حين تتضارب المصالح؟

ومن يحتكر السلاح؟

ومن يكتب الدستور بعيدًا عن غرف التفاوض المغلقة؟

إذا كان الانتقال مجرد إعادة توزيع نفوذ، فإن سوريا ستدخل مرحلة جديدة بوجوه مختلفة وقيود ذاتها.

أما إذا تحوّل إلى مشروع تأسيس حقيقي، فستكون لحظة نادرة لإعادة تعريف الدولة على قاعدة السيادة والعدالة والمواطنة.

إما أن يُصنع القرار في دمشق…

أو سيُصاغ في العواصم الكبرى ويُسلّم للتنفيذ.

والتاريخ سيحكم.

إبراهيم الدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *