ذاكرة السوريّين المثقوبة.. مشاكل بنيويّة ووطنية تعيق الاستقرار

كيف يقرأ السوريون المخاطر التي تحاصر وطنهم؟ ولماذا يبدو أن هناك، في كل منعطف حاسم، فجوة واسعة بين حجم الخطر الحقيقي وبين الطريقة التي نستقبله بها أو نستعد بها لمواجهته؟ هذه الأسئلة تعيد فحص عقلنا السياسي وتطرح المشاكل البنيوية التي يعاني منها، ما يستدعي مراجعة ونقدًا منهجيًّا ومعرفيًّا.

إنّ بقاء النظام في سوريا على صورته الحاليّة، بعد عام من استلامه الحكم، من دون إصلاح سياسي واقتصادي جذري، ومن دون تفكيك بنية الفساد، سيكون مسارًا شديد الهشاشة تاريخيًا، وقد لا يكون السقوط فجائيًّا، بل تآكلًا تدريجيًّا يفضي في لحظة ما إلى تحوّل قسريّ. الفرق بين الانهيار وبين الانتقال إلى طور دولة أكثر رسوخًا ليس الزمن، بل قرار الإصلاح وعمقه وسرعته..

ليست المشكلة في غياب المخاطر، فسوريا منذ 2011 تعيش في بيئةٍ مشبعةٍ بالتهديدات الاقتصادية والأمنية والسياسية؛ ولا تُقاس قابلية الأنظمة السياسية على البقاء بطول عمرها الزمني، بل بقدرتها المستمرة على تجديد شرعيتها ووظيفتها وكفاءتها في إدارة المجتمع والاقتصاد. وعندما يعجز نظامٌ ما عن الإصلاح، ويتحوّل الفساد فيه من ظاهرة إلى بنية، ويظل اقتصاده أسير الريع، فإنه يدخل– وفق منطق التاريخ السياسي– في مسار التآكل البنيوي الذي ينتهي إما بالانهيار أو بالتحوّل القسري. وهذه ليست نبوءة ولا موقفًا انفعاليًّا، بل خلاصة قراءة للواقع متكررة.

بين الخوف، غير المبالغ فيه، والأمل غير الواقعي، يتّسع البون حتى يصبح الخطر نفسه حدثًا مفاجئًا، مع أنه كان متوقعًا. ولعل أهم عناصر المشكلة الراهنة هي:

أولًا: فكريًّا.. غلَبة الانفعال على الحساب: في المجال الفكري، لا يزال تقدير المخاطر عندنا أقرب الى الانطباع منه الى التحليل. نفتقر الى تقاليد راسخة في التفكير الاحتمالي، وفي قراءة السيناريوهات، وفي التفريق بين الممكن والمرجّح.

ثانيًا: أيديولوجيًّا.. يقينيات مغلقة في عالمٍ مفتوح، إذ تتقدّم السرديّات الكبرى على الوقائع اليومية. فحين تُختزل السياسة في صراع هويّات، يُعاد تعريف المخاطر وفق ميزان الولاء لا ميزان المصلحة العامة. وفي هذا السياق، تتضخم المخاوف من «الآخر» الداخلي، بينما تُهمل المخاطر البنيوية: هشاشة الاقتصاد الريعي، اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، الارتهان لتقلبات الخارج.

ثالثًا: نفسيًّا وسيكولوجيًّا.. بين عقدة الرمز ووهم البطولة: على المستوى النفسي، ثمة مفارقة لافتة حيث هناك ميلٌ الى تضخيم قدرة الخارج على الفعل، وإلى انتظار الحلول منه، كأن الداخل عاجز بطبيعته. وهذا الواقع يُنتج تقديرًا مضطربًا للمخاطر: نرفع سقف الآمال بلا حساب، ثم نصطدم بالواقع فنغرق في خيبةٍ جماعية.

شروط الانسداد

المسألة السورية اليوم تُقرأ ضمن هذا الإطار العام لعلم الدول، لا بوصفها استثناءً منه. فهناك ثلاثة شروط إذا اجتمعت في أي نظام سياسي، يصبح استمراره على صورته القائمة أمرًا بالغ الصعوبة.

أول هذه الشروط هو الانسداد السياسي. والشرط الثاني هو الفساد البنيوي.

أما الشرط الثالث فهو الاقتصاد الريعي غير المنتج.

عندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة، تتكوّن معادلة ضغط مركّبة: ضغط اجتماعي ناتج عن البطالة وضعف الخدمات، وضغط سياسي سببه انسداد النظام، وضغط اقتصادي مصدره هشاشة الموارد. التاريخ يبيّن أن تزامن هذه الضغوط يقود غالبًا إلى أحد ثلاث مسارات: انهيار فوضوي، تدخلات خارجية عميقة، أو تحوّل قسري في بنية النظام.

كانت السيادة قبل ذلك واحدة من الذرائع المستخدمة لتأجيل تطوّر التنظيم الدولي الحديث. الآن ومع التحولات الدولية الحديثة، يبدو أن سيادة الدول قد أصبحت أمرًا هامشيًّا؛ فالنظام العالمي الحالي تحكمه القوة، حيث الدول الأقوى تفرض إرادتها، وغالبًا ما تكون هناك مبررات جاهزة لأي نوع من التدخلات في الشؤون الداخلية…

ما يلفت الانتباه حقًّا هو وجود معيارين مزدوجين أو نظرة تمييزية للإنسانية، وكأنها مقسمة إلى نوعين: فئة أولى تُعامل بامتياز، وأخرى تُعامل وكأنها أقلّ شأنًا. لكنّ العدوان يبقى عدوانًا، سواءً كان موجهًا ضد أي إنسان، بغضّ النظر عن خلفيته الدينية أو الثقافية أو اللغوية أو موقعه الجغرافي، أو أيّ فئة أينما كانت، فلا يتغير تعريف العدوان بتغير المواقع أو الأشخاص.

المثير للاستغراب أننا نشهد بأعيننا كيف يُمارس ازدواج المعايير باستمرار في القضايا الدولية، حيث تختلف ردود الفعل والمعايير تبعًا للطرف الذي يتم العدوان عليه. هذه الازدواجية ليست محصورة فقط بتعريف العدوان، ولكنها تمتد أيضًا إلى الحقوق الأساسية للأفراد والشعوب، خصوصًا الحق في تقرير المصير.

الأمر الأكثر غرابة هو التعامل مع جماعات كانت تُعتبر يومًا ما إرهابية، ثم تغيرت مواقف العالم تجاهها تمامًا بتغير المصالح والموازين، فأصبحت تُعتبر شرعية ولها حق النضال ضد الأنظمة الديكتاتورية، بل ويتم دعمها ودعوتها للمشاركة في الجمعيات الدولية ككيانات مشروعة لها كامل الحق في التعبير عن ذاتها ووجودها.

فالجماعة الدولية في العصر الحديث قامت أساسًا على فكرة السيادة، وهي الفكرة التي بدأت تبرز مع ظهور ملامح التنظيم الدولي في القرن السادس عشر، وقبل ذلك في القرن الخامس عشر. خلال تلك الفترة، كانت الدول تتشبث بفكرة السيادة، خوفًا من التدخل في شؤونها الداخلية. هذا التشبث تسبب في نشوء العديد من النزاعات والمشاكل التي أرهقت العلاقات الدولية، وكانت الحروب قائمة على قدم وساق آنذاك.

السيادة تحمل أبعادًا متعددة، فهي ذات مفهوم قانوني، سياسي، وكذلك اجتماعي.

في عام 1815، شهد العالم خطوة أخرى هامة في مسار تطور التنظيم الدولي مع توقيع اتفاقية فيينا، التي تبعتها لاحقًا اتفاقية الحلف المقدس. كانت تلك الفترة محطة تحول كبيرة، حيث اتخذت العلاقات الدولية اتجاهًا مختلفًا أكثر تنظيمًا، فنصّت الدساتير في موادها الأولى على أن الدول ذات سيادة، مما يؤكد أن لها السيادة الكاملة على جميع أراضيها، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. وبموجب هذه السيادة، تفرض الدولة قوانينها وسلطتها القضائية على السكان والإقليم وكل من يتواجد فيه.

جذور الأزمة السورية

الجذر العميق للأزمة، منذ تأسيس النظام السياسي، هو فشل سوريا في إنتاج مشروع وطني عابر للطوائف والإثنيات؛ فالدستور رغم أهميته، لم يتحول إلى عقد اجتماعي فعلي، بل إلى نص قابل للتأويل وفق المصالح السياسية، أما العملية السياسية، فقد بُنيت على المحاصصة، لا على الكفاءة أو الرؤية بعيدة المدى.

ورغم خطورة التدخلات الخارجية، إلا أن التجربة السورية تثبت أن غياب المشروع الوطني هو الخطر الأكبر؛ فالأطماع الخارجية لا تصنع الأزمة من فراغ، بل تستثمر في الانقسام الداخلي وتغذّيه. أما الدولة التي تمتلك مشروعًا وطنيًّا حقيقيًّا، فتستطيع حماية قرارها، حتى وسط بيئة إقليمية معقدة. إن سوريا لم تخسر سيادتها فقط بسبب الخارج، بل لأنها لم تحسم شكل دولتها، ولا أولوياتها، ولا حدود التوافق بين عناصر نسيجها.

من يتأمل مسار الحياة السياسية في سوريا بعد عام 2011، يكتشف أن جوهر أزماتنا المتكررة لا يكمن فقط في الدساتير أو القوانين أو شكل النظام السياسي، بل في العنصر البشري الذي يتولى إدارة هذا النظام: رجل السياسة نفسه. فالمشكلة السورية، قبل أن تكون مشكلة نصوص دستورية أو آليات انتخابية، هي بالأساس مشكلة تكوين معرفي وثقافي، انعكست بصورة مباشرة على فهم الدولة وممارستها.

إن إصلاح هذا الواقع لا يتحقق بتغيير القوانين وحدها، بل بتغيير نمط إنتاج وتربية وتنشئة النخب السياسية نفسها. نحن بحاجة إلى جيل سياسي جديد يتكوّن داخل فضاءات مدنية مفتوحة، يمتلك معرفة حقيقية بالإدارة والاقتصاد والقانون، ويؤمن بأن العمل العام خدمة لا غنيمة. كما أنّنا بحاجة إلى أحزاب برامج لا أحزاب هويات جزئية، وإلى سياسيين يفكرون بمنطق الدولة لا بمنطق المكوّن.

قد تبدو هذه مهمة طويلة الأمد، لكنها المدخل الحقيقي لكسر حلقة الأزمات. فطالما بقي رجل السياسة أسير تكوينه القديم، ستبقى الدولة أسيرة أزماتها المتكررة، وسنبقى ندور في الحلقة نفسها. المشكلة إذن ليست في جغرافيا وتاريخ سوريا وحدها، بل في العقول التي تدير الدولة وتريد إدارتها لتتخلّص من كلّ علق بها من أمراض الماضي، وهي عقول صراعية بامتياز كانت ومازالت، وحين يتغير هذا العقل، تبدأ الدولة بالتعافي تلقائيًّا.

لكنّ تغيير العقول عندنا معضلة تحتاج إلى صدمات وزلازل وهزات كبيرة ترغم العامة والخاصة على إعادة النظر في مكونات عقلنا السياسي ومنهج تعاطينا مع الأزمات والمشكلات.

ذاكرة إنساننا مثقلة بالوجع ومستقبله ملتبس، فالجيل الذي عايش الحروب والحصار.. والآن الاحتلال، يحمل ذاكرةً مثقلةً بالمخاطر الوجودية، ما يجعله أحيانًا ميّالًا الى القبول بالحد الأدنى من الاستقرار ولو كان هشًّا، وهو ينظر الى المخاطر من زوايا مختلفة. فهل من أمل بولادة جيل جديد ينفض عنه ما علِق بروحه وعقله من لوثات وأحقاد وصغائر مدمّرة ويخرج فتيًّا للبناء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *