في معنى النهضة، وأخلاق الالتزام، ومسؤولية الانتماء
ليس السؤال: هل نحبّ أنطون سعادة؟
ولا: هل نرفع صورته ونردّد كلماته؟
بل السؤال الأخطر والأصدق: هل نعيش سعاده؟ هل نتمثّل نهضته سلوكاً، وأخلاقاً، وموقفاً، وعملاً يومياً؟
أن نكون أبناء أنطون سعاده حقيقةً لا يكون بالوراثة العاطفية، ولا بالانتماء الشكلي، ولا بالتحصّن خلف تاريخه كدرعٍ يغطّي عجزنا. فأنطون سعاده لم يؤسّس حزباً للحنين، بل حركةً للنهضة. ولم يقدّم فكراً للتقديس، بل مشروعاً للحياة.
أولاً: أن نكون نهضويين… أي أن نخرج من عقلية القطيع
النهضة السورية القومية الاجتماعية قامت على تحرير العقل قبل تحرير الأرض.
ومن لا يزال يفكّر بعقل الغرائز، والطوائف، والعصبيات، والولاءات الصغيرة، لا يحقّ له أن يدّعي الانتساب إلى سعاده، ولو حفظ كتبه عن ظهر قلب.
النهضوي: يفكّر بعقل علمي نقدي، لا بعاطفة غوغائية.
يرفض التقديس الأعمى للأشخاص، لأن سعاده نفسه حارب عبادة الأفراد.
لا يستبدل زعيماً بزعيم، ولا صنماً بصنم، بل يلتزم بفكرة ومشروع حضاري.
ثانياً: أخلاق النهضة… حيث يسقط الادّعاء
أخلاق النهضة تعني:
الصدق مع النفس قبل الصدق مع الناس.
الشجاعة في قول الحقيقة، لا المواربة باسم «المصلحة».
تحمّل المسؤولية بدل الهروب منها أو رميها على الآخرين.
رفض الظلم، أيّاً كان مصدره، حتى لو صدر من داخل الصفّ.
من يدّعي الانتماء إلى سعاده ثم يبرّر الظلم، أو يسكت عن الفساد، أو يبرع في التآمر الداخلي، هو نقيض النهضة مهما علا صوته.
ثالثاً: الانضباط… لا الطاعة العمياء
علّمنا سعاده أن النظام قوة، لكنّه لم يطلب طاعةً بلا وعي.
الانضباط النهضوي ليس خضوعاً، بل التزاماً واعياً بالمصلحة العامة.
المنتمي الحقيقي:
يطيع النظام لأنه يفهمه، لا لأنه يخافه.
ينتقد من داخل المسؤولية، لا من موقع الهدم أو التشهير.
يميّز بين الانضباط والسكوت عن الخطأ، لأن السكوت عن الخطأ خيانة للنهضة.
رابعاً: النهضة عملٌ يومي لا مناسبة خطابية
أن نكون أبناء أنطون سعاده يعني أن نحمل النهضة إلى حياتنا اليومية:
في المدرسة والجامعة، بالعلم والتميّز في العمل، بالنزاهة والكفاءة. وفي المجتمع، بخدمة الناس لا باستغلالهم. وفي السياسة، بالموقف الواضح لا بالرمادية الانتهازية.
النهضة لا تُقاس بعدد البيانات، بل بمدى قدرتنا على تغيير أنفسنا ومحيطنا.
خامساً: الوفاء لسعاده… ليس بالبكاء عليه، بل بتحقيقه
سعاده لم يمت ليصبح ذكرى، بل استُشهد ليصبح معياراً.
ومعيار الوفاء له ليس كم نبكيه، بل كم نقترب من النموذج الذي أراده: إنسانٌ جديد، مجتمعٌ جديد، دولةٌ جديدة.
كل مرة نكذب فيها باسم النهضة، نخونه.
كل مرة نسكت فيها عن الظلم، نخونه.
كل مرة نستخدم اسمه لتصفية حسابات صغيرة، نخونه.
خاتمة: النهضة امتحانٌ دائم
أن نكون أبناء أنطون سعاده ليس شرفاً نعلّقه على صدورنا، بل امتحاناً أخلاقياً يومياً.
إمّا أن نكون على مستوى الفكرة، أو نكون عبئاً عليها.
إمّا أن نرتقي بالنهضة، أو نسيء إليها.
وسؤال النهضة الحقيقي يبقى مفتوحاً في وجه كل واحدٍ منا: هل نحن أبناء سعاده بالفعل… أم مجرّد ورثة اسمٍ لا نجرؤ على حمل معناه؟

