يتفاءل الناس بالمطر ويرون فيه خيرا وبركة فهو أصل الحياة وبدء الخليقة (وجعلنا من الماء كل شيء حيا) ولكن مطر هذه السنة والمنخفض الجوي الاخير لم يكن خيراً على غزة والصابرين المرابطين من اهلها، اذ زاد من ثقل الكارثة والمعاناة بما يفوق الوصف. واذا كان المطر هو ظاهرة من ظواهر الطبيعة التي لا يتحكم بمجرياتها الانسان، الا ان التقصير وعدم فتح المعابر او ادخال قوافل الإغاثة التي تنتظر على الجانب الاخر من المعبر والتي ينتظرها اهل غزة بفارغ الصبر، هو فعل بشري شرير وبالغ اللؤم حيث يريد ان يجعل من حياة اهل غزة جحيما لا يطاق ولإجبارهم تحت وقع الحاجة الماسة لمقايضة صمودهم ونضالهم وتضحياتهم ببعض الخيم والأغطية ووسائل التدفئة، و بالطبع هذا كله يحدث و قد انتهت المرحلة الاولى من اتفاق وقف اطلاق النار الذي افترض العالم انه سيدخل قوافل المساعدات و يكون المرحلة الاولى لا من وقف اطلاق النار فقط وانما وقف الكارثة و المجاعة ولكن النتيجة التي نراها ان لا وقف اطلاق النار قد تم ولا الكارثة الانسانية التي بدأت تأخذ اشكالا اكثر قسوة.
منذ قرن ونيف من الزمن هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى واحتلت بلادنا من قوات التحالف المنتصر واصبح بعض من شظايا الوطن محكوم بمندوب سامي انجليزي وشظايا اخرى بمندوب سامي فرنسي، وتمظهر هذا الاحتلال ولبس ثوب القرار الدولي من المنظمة الدولية في حينه عصبة الامم، على ان وجود انجلترا وفرنسا ليس احتلالا وانما انتدابا من تلك المنظمة الدولية، وفي هذه المرة تبدو الولايات المتحدة ممارسة لهذا الدور و لكن منفردة بانها تمثل الإرادة الدولية لاحتلال بلادنا، وان تواجدت ادوار ديكورية لثلاثة دول، و هو ما اعلن عنه يوم اول امس الاربعاء في القاهرة وفي وجود كثيف دولي واقليمي (تركي و قطري) وفلسطيني شاركت به منظمة التحرير والحزب الحاكم والعمود الفقري للمقاومة، اذ اعلن المبعوث الامريكي ستيف ويتكوف عن استكمال تشكيل مجالس غزة و الانتقال لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق المذكور والمكونة من عشرين ، و كان قد سبق الاعلان عن مجلس السلام العالمي الذي يرأسه ترامب الطامح بالحصول على جائزة نوبل للسلام في دورتها القادمة، والثاني هو الهيئة الدولية العليا التي ستقود العمل وتحدد استراتيجياته وتراقب تنفيذه والتي يرأسها الدبلوماسي البلغاري الامريكي الهوى نيقولاي ميلاد ينوف، ثم مجلس ادارة غزة التنفيذي و الذي يحمل اسم اللجنة الوطنية العليا لإدارة غزة مهمتها العمل على خريطة طريق حددتها البنود العشرين و التي من اهمها نزع السلاح ثم الشروع في اطلاق عملية اعادة الاعمار (باعتبار ان المساعدات الانسانية قد تدفقت على غزة في المرحلة الاولى من خطة ترامب) .
تتكون اللجنة من شخصيات فلسطينية بعضها مستقل وبعضها الاخر من مدارس منظمة التحرير و من المنظمات غير الحكومية، فيما منظمة التحرير الفلسطينية وحزبها الحاكم في السلطة والمقاومة بعمودها الفقري عليه ان يكون ما بين موافق او عدم معترض عليها، وعلى ان تكون مرجعيتها الهيئة الدولية العليا و ليس منظمة التحرير الفلسطينية او السلطة الفلسطينية ووزارتها في الضفة الغربية، اما موازناتها وتمويلها فسوف يأتي من الولايات المتحدة و جهات دولية واخرى عربية، ولعلها كلها عربية وان جاءت باسم واشنطن او المنظمات الدولية.
انتهت المرحلة الاولى من اتفاق وقف إطلاق النار واهل غزة يفتك بهم الجوع والبرد والداء دون ان تتم اغاثتهم، فيما تنتظر قوافل المساعدات المرور عبر المعبر الذي يسيطر عليه الاسرائيلي ويعرقل مرور القوافل عبره، ولا يعدم ايجاد الذرائع الواهية للعرقلة التي يصدقها الامريكي، فهل ستكون المرحلة الثانية من الاتفاق على ذات المنوال الامر الذي يطرح السؤال هل وضعت حرب اوزارها.
لم يعد هناك داعي للاختلاف حول ايهما تحقق: النصر ام الهزيمة في هذه الحرب الطويلة، ولكن الاكيد ان المقاومة قدمت فوق ما كان قد يخطر على قلب بشر من صمود وبطولة ويشاركها بذلك اهل غزه الذين تعرضوا الى ما لا يطاق بصبر واحتساب اوقع بهم الموت والجوع واليتم والمرض والهدم و الدمار و للأسف شماتة بعض مما لا نرغب بذكرهم، فيما لا زال الاسرائيلي غير قادر على انجاز اهدافه المعلنة، ولكنه لن يتوقف عن محاولة تحقيقها الامر الذي يعني استمرار الحرب سواء المباشرة او بسناريوهات مختلفة، وهي بكل احوالها حرب على الامة جمعاء ان هدأت احدى جبهاتها فسوف تشتعل اخرى.
لا أحد يملك الحق على المزايدة على اهل غزة او توجيه النقد لهم او الارشادات من الاماكن الدافئة، والمطلوب اليوم الحفاظ على ما تبقى من غزة واهلها بإغاثتهم وتعزيز امكانيات بقائهم فهل المرحلة الثانية هذه والتي لا زالت موضع شك ان كانت ستقوم بذلك ام ستكون غطاء لمزيد من المعاناة.


