مواجهة سايكس/ بيكو جديدة في المشرق العربي ‎ومرتكزات وقواعد أنطون سعادة 

في الأوّل من آذار ذكرى مولد مؤسس الحركة السورية القومية الاجتماعية، لا بدّ للمرء أن يقف أمام ذلك المشهد القائم على تمزيق ـ المشرق العربي – الى دويلات وكيانات أسماها الصحافي طومس فريدمان «مجموعة من القبائل ترفع أعلاماً مختلفة»، ونجح في توصيفها الدكتور غسان سلامه عميد معهد الشؤون الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس في كتابه «المجتمع والدولة في المشرق العربي»، والذي قارن فيه بين بنية القبيلة وبنية الدولة، شارحا بإسهاب الجذور القبلية لتوزيع القوى وانتقال السلطة في دول المشرق العربي

‎وإذا كانت سايكس/ بيكو مطلع القرن العشرين قد اعتمدت التجزئة السياسية والاجتماعية عبر خلق كيانات هزيلة وضعيفة في الجغرافية والاقتصاد، غير قادرة على تسديد حاجاتها في التنمية والأمن والكفاية وهي بحاجة دائمة الى ان تستعطي وتطيع، فان سايكس/ بيكو مطلع القرن الواحد والعشرين لها وظائف اخرى تتمحور حول الأطماع الغربية في المخزون النفطي في باطن الارض ومخزون الغاز الطبيعي في باطن البحر المتوسط، كل ذلك معطوفا على مشروع «الدولة اليهودية» المتضرر من المشروع القومي التوحيدي والمرحب بالخرائط الجديدة للتقسيم العرقي والطائفي والمذهبي.

‎إن إعادة الاعتبار للنص التي جاءت به الحركة السورية القومية الاجتماعية بقلم مؤسسها انطون سعادة، لا تستهدف بعث الحياة في كتابات غلفها الصدأ وتراكم عليها غبار الزمن، بل هي اعادة اعتبار للوقائع العنيدة التي ارتسمت على خريطة المشرق العربي والتي شكلت على مر العصور مسرحا للغزوات والفتوحات والصراعات التي لا زالت تعبث بأمن المنطقة السكاني والاجتماعي والاقتصادي حتى تاريخه.

‎لقد أدرك انطون سعاده منذ البداية ان النهب في منطقتنا يقوم على منظومة مركبة من أربع مرتكزات:

أولاً: التجزئة. وقد ارتسمت نتائجها امام ناظرينا، تقسيما وتبعثرا وهشاشة وضعفا وتراجعا وتخلفا وتهجيرا وحروبا طائفية ومذهبية نهشت في لحوم شعوبنا ولا تزال.

ثانيا: نواطير على الكيانات. يتوارثون السلطة من ارثهم العائلي والطائفي والمذهبي والقبلي والعشائري، وهم من أجل الحفاظ على مواقعهم وامتيازاتهم وثرواتهم وقفوا سدا منيعا امام قيام المجتمع المدني وأحبطوا أية محاولة للتجديد ووضعوا قيوداً على الحريات العامة (القول والفكر والنشر والتنظيم النقابي والحزبي والتعبير عن الرأي) بسائر أشكالها، وحولوا المثقفين الى جثث حية تتفيأ عباءة السلاطين.

ثالثا: دكان للاستهلاك وتدمير العملية الإنتاجية. وهكذا كان، حيث تحول المشرق العربي الى دكان للاستهلاك وأنظمة تستورد لشعوبها نقدا او دينا، لا فرق، طالما ان تلك الشعوب راضية وصامتة، حتى لو أكل الدين العام من حاضرها والمستقبل. سياسات جوفت المجتمع من ثقافة عريقة وزراعة وافرة وصناعة كفؤة وجامعة للبحث والتخطيط والإنماء واستراتيجيات للتنمية المستدامة والأمن الغذائي. سياسات دمرت العملية الإنتاجية ووقعت في فخ ثقافة الاستهلاك والربح الريعي والاستيراد على حساب الاقتصاد الوطني والقومي.

رابعا: مخفر إسرائيلي متقدم للردع. وهكذا يكتمل المشهد حيث تقوم اسرائيل بدور المخفر الرادع لأية عملية استنهاض في المنطقة وعلى مختلف الجبهات، حيث يصبح الاستثمار في الثروات المائية للمنطقة اعتداءً على الأمن المائي (الليطاني والوزاني ودجلة والفرات)، والزراعة في المناطق المحتلة اعتداءً على الأمن الغذائي، والتنقيب عن الغاز والنفط اعتداءً على أمن الطاقة، والاستثمار في البحوث والعلوم تهديداً للأمن الاسرائيلي، والتسلح لحماية السيادة الوطنية اعتداءً على الأمن القومي.

‎لقد وعى انطون سعادة في سياق تجربته النضالية درجة التعقيد والترابط بين هذه الحلقات الأربع وجاء مشروعه متماسكا من اجل توفير القدرة على مواجهتها.

‎لم يكن انطون سعاده نبيا يتنبأ بالغيب ولا عرافا يقرأ المستقبل ولا منجما يضرب في الرمل، بل خلافا لكل هذا، كان إنسانا مبدعا في علمه، ثاقبا في نظرته، قدوة في عطائه وتضحياته ونموذجا في إخلاصه لقضية نذر نفسه من اجلها، والاهم من ذلك قائدا لمشروع خلاص شعبه من النهب والتبعية والقنوط والتخلف والتجزئة والطائفية الى رحاب المشروع القومي العلماني حيث لكرامة الدين موقع ولكرامة الدنيا مساحة.

‎لم يكن انطون سعادة «قوميا» في مطلع القرن الماضي وقد عاصر سايكس/ بيكو، ولم تتبلور أفكاره في العشرينات وقد عاصر بدايات «لبنان الكبير» وبشائر التجزئة القومية، ولم يكتمل بناؤه الحزبي، وقد رافق المؤتمر السوري وبدايات التعثر في مشروعه القومي وبدايات التأسيس لحزبه في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1932، وتجربته في سجون الانتداب الفرنسي يوم أنجز كتابه « نشؤ الامم«.

‎غير ان تجربته في الوطن نهاية الثلاثينات حتى تاريخ مغادرته الى أميركا اللاتينية عام 1939 ومن ثم عودته الى الوطن في الاول من آذار عام 1947 بعد تجربة اغترابيه اغنته فكرا وثقافة وتنظيما حيث جاء تلقينه للمحاضرات العشر في الجامعة الأميركية مبنيا على دراسات أنجزها وخبرات اكتسبها وتجربة قيادية تبلورت في رؤيته الإدارية والتنظيمية والسياسية، رفعت من مستوى أدائه ومواجهته حتى تاريخ استشهاده في الثامن من تموز عام 1949. وهكذا ساهمت هذه التجربة في شحذ شخصيته وبلورة أفكاره وصياغة المفاهيم والمرتكزات العقائدية لمشروعه القومي التوحيدي.

‎ان مشرقنا العربي على مفترق خطير في تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، فإما ان يبقى كرة في ملعب تتقاذفها أقدام اللاعبين وهو غارق في بحر من دماء الصراعات المذهبية والطائفية! وإما لاعباً محصناً بالوعي القومي الذي اعتبره انطون سعاده ظاهرة حضارية وخشبة خلاص لشعبنا من كبوته والكوارث…؟

فارس بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *