العطب البنيوي

لا تقوم الأوطان الحديثة على فكرة الوحدة المستلفة من أي ماض أو حتى واقع معمولٌ به بالبداهة أو الاعتياد، فهذه الفكرة معرضة للموات لمجرد التقائها مع الهواء المحيط بها، فعالم الأوطان عالم تنافسي في هذه الكرة الأرضية الغراء، لا تلبث الأوطان أن تدخله شاءت أم أبت، وعلى جودة الفكرة المؤسسة للوطن يتوقف كل شيء، من استمرارية هذا الوطن، حتى فناؤه المفاجئ، وعلى هذا تتوقف أيضاً نجاة الأوطان من العملية الخطيرة التي تتمثل في إقلاعها نحو الوجود، وهي عملية معرفية، تتداخل وتتراكب فيها عمليات معرفية شتى تحتاج إلى مواءمة وانسجام وتنظيم، حيث تتمثل حالة الفوضى، بغياب فكرة الوطن، في مقابل التنظيم والانتظام التي تتمثل في ولادة هذه الفكرة وحضورها القوي بين ظهراني أصحاب المصلحة بوجود الوطن.

في التداخلات اللغوية لفكرة الوطن، تتمظهر الفوضى في شكل التعبير عن هذه الفكرة، فمن قطعة جغرافية تسكنها أقوام، إلى إقليم أيديولوجي، تعبر عنه أكثريات من خارج الحقل المعرفي، أو حتى قوى ذات غلبة وشوكة تقطع على الفكرة سيرورتها، وكذلك وأيضاً تاريخ فريد ومجيد، يبدد الوحدة الداخلية الساعية إلى الانتظام، وإلخ، مما يقطع مع فكرة الوطن الممضوغة كبداهة غذائية تؤدي إلى العيش، وقطعاً لا تؤدي إلى الحياة.

الحياة هي الهدف الإنساني الأول، بعد هذه الرحلة التي قطعتها البشرية، في سياقها التطوري، فالبقاء للأصلح ليس مجرد حكم يلقى على نوعية من أصحاب مصالح العيش، بل هو سيرورة ارتقائية، (أو نكوصية)، تسير بحاملي فكرة الوطن الحديثة والحداثية، إلى الحياة أو الزوال، وفي هذا السياق لا تعتبر السيادة ( على الجغرافيا أو البشر) معياراً واقعياً، أو حتى دليلاً على وجود الوطن أو فنائه، فالأداء المعرفي هو من يقرر ذلك.

في الماضي السحيق، أو حتى القريب، لم تكن الأوطان موجوده، بل كان سطوات يقرر اتساعها تعريف المكان بالتابعية الهيمنية، ( قبل 1920 لم يكن هناك سوريا ولبنان وفلسطين إلخ)، وفي ظل التابعية الآنفة أفنيت فلسطين وكليكيا/ أسكندرون وعربستان، إذ لا مفهوماً قد تبلور حول الوطن في ظل الانتداب، فكما كانت تلك الأراضي أيالة عثمانية، صارت أيالة فرنسية أو إنكليزية، تتضمن احتقار الأفكار المعرفية ( المؤسسة للوطن، أو المؤسسة للأداء المعرفي داخله)، ومع هذه الجرائم، تبدو الإنتدابات أرحم من السياسيين المحليين، الذين يمثلون الأداء المعرفي لتلك المرحلة، من حيث قدرتها على توحيد ما تبقى من الكيانات، مقابل الأداء المعرفي لهؤلاء، و الذي حصل بعد «الإستقلالات»، الذي أدى إلى تفتيت البنية المعرفية الصالحة لإقامة «وطن» أو «أوطان» قادرة على «الحياة»، فالعيش وحده هو المحرك الأساسي لإداءات الغزو المتبادلة، المتمثلة بالحروب الأهلية والفساد والطائفية، التي لا مصلحة لاحد (فرد) في حيويتها، ناهيك عن الجماعة!!!، لتصبح فكرة الوطن بمعناها المعرفي بعيدة، كل البعد عن المجال التفكيري (تبدو الهجرة واللجوء مثال صادق عن هذه التجربة «المعرفية»)، فالفصام بين العيش والحياة، استحكم لدرجة انعدام مفهوم الوطنية، إلا بما يخص الآخرة، كأداء طائفي عن سيرورة العيش وصيرورته.

لم تتأسس “أوطاننا” من أسفل إلى أعلى، كما حصل في معظم أوطان الأرض، بل جاءت “كفرمانات” من قوة تنافسية تحكم الكرة الأرضية الغراء، في انسياق انفسادي، يحدد الوطن بالحاكم، والسيادة بالقمع، في طحن شديد الفعالية، للقيم المتوخاة من تأسيس الوطن، ( الحقوق ـ الواجبات ـ المساواة ـ الحرية إلخ)، أثناء تذلل شديد المهانة أمام القوى المتنافسة الآنفة، التي تقرر السيادة ونوعها، والجغرافية ومعناها، وحتى التاريخ والتراث ومؤداه، حيث قام «السياسيون» المحليون، بأدوار، سبقت هاتيك القوى في حملة التفريغ من المعنى، الذي هو تماماً التفريغ من المسؤولية ( تتبعه دائما سلسلة الإفلات من العقاب)، التي تحول الجبناء أبطالاً، والأغبياء إلى استثنائي الذكاء، في تفريط وحشي بالأداءات المعرفية التي تؤدي، إلى فكرة الوطن، التي هي الأخرى بحاجة إلى أداءات اجتماعية ومجتمعية حقيقية لتحقيقها وجعلها من ممكنات الواقع.

الوطن ليس مقال في جريدة، ولا درس في مادة التربية الوطنية في الصفوف الابتدائية، ولا تشجيع لمنتخب كرة القدم المحلي، بل هو ممارسة معرفية تقوم وتتفعل بالإرادة الشخصية، وكي تتفعل هذه المعرفة يجب إتاحة العلم بها، أو النضال من أجل هذه الإتاحة، مع أن هذا العلم صار من بديهيات العالم المعاصر، فالكرامة الإنسانية، لم تعد مجهولة، وكذا الحرية والمساواة وحق المشاركة، كلها مع غيرها أقانيم إقامة الوطن معافى، يسعى إلى البقاء في المستقبل، فالناس تصنع أوطانها، انحيازاً، لسعادتها ورفاهها، وليس كرمى الشعارات التي مهما كانت عظيمة، لا تساوي إهانة فرد واحد من أعضاء الاجتماع البشري في حال كان «مجتمعاً».

الوطن … عملية معرفية بممارسة إرادية على أرض الواقع، تعبر عن مصلحة الوجود، وهي العملية الأكثر تعبيراً عن إنسانية الأنسان الذي يسعى دائماً للحضور بين قوسي الكرامة الإنسانية. وفشل هذه العملية، يعني التقصير في الممارسة المعرفية، أو انعدام الاعتراف بالمعرفة كعملية تفاعلية تتخلل الحياة العامة، هذا ما يصنع قطعانا بشرية تسعى نحو مزاودها، تتلقم ما يكفي حاجتها للتغوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *