لم يكن مشهد نيكيتا خروتشوف وهو يضرب حذاءه على طاولة الأمم المتحدة في مطلع الستينات مجرد نوبة غضب عابرة، بل كان تعبيراً فجّاً عن مرحلة تاريخية كان فيها الصراع الدولي، رغم عنفه وحدّته، ما يزال محكوماً بسقفٍ سياسي وأخلاقي معيّن. يومها، كانت القوى الكبرى تتصارع، لكنها كانت تدرك أن ثمة حدوداً لا يجوز تخطّيها علناً، وأن السيادة – ولو شكلياً – ما تزال خطاً أحمر.
أما اليوم، فنحن أمام مشهد مختلف تماماً: إمبريالية عارية، لا تخجل من استخدام القوة المباشرة، ولا تتورع عن اختطاف رؤساء دول ذات سيادة، تحت ذرائع قانونية وأمنية مصنوعة على قياس مصالحها. وهنا، يصبح السؤال مشروعاً:
هل ما نشهده هو تطوّر في النظام الدولي؟
أم هو انحدار أخلاقي خطير يعبّر عن سقوط القوة المهيمنة من عالم الإنسانية، كما تنبّه أنطون سعاده باكراً؟
في زمن الحرب الباردة، كان الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي صراعاً على النفوذ والرؤية للعالم، لكنه لم يكن صراعاً على إلغاء الآخر بالكامل. كانت الحروب تُدار بالواسطة، وكانت الأمم المتحدة ساحة اشتباك سياسي، لا غرفة عمليات للاعتداء السافر.
أما في المرحلة الراهنة، فقد انتقلت الإمبريالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية، من سياسة الهيمنة غير المباشرة إلى سياسة الاستباحة المفتوحة:
عقوبات، حصار، تغيير أنظمة، وأخيراً اختطاف رؤساء دول، وكأن العالم عاد إلى منطق الغابة، حيث لا قانون إلا قانون القوة.
هذا التحوّل لا يعكس قوة الإمبريالية بقدر ما يعكس أزمتها العميقة، لأن الإمبراطورية حين تعجز عن الإقناع، تلجأ إلى القسر، وحين تفقد شرعيتها الأخلاقية، تستعيض عنها بالقوة العارية.
أنطون سعاده لم ينظر إلى الصراع الدولي بوصفه صراع دول فحسب، بل بوصفه صراع قيم ومصالح وحضارات. وحين تحدّث عن الولايات المتحدة الاميركية وسواها من القوى الاستعمارية، حذّر من أن القوة التي تخرج من إطار الإنسانية تسقط حتماً، ولو بعد حين.
وما نراه اليوم هو التجسيد العملي لهذه الرؤية.
فالإمبريالية الحديثة لم تعد تكتفي بنهب الثروات أو فرض التبعية الاقتصادية، بل باتت تنتهك أبسط قواعد الكرامة السياسية للشعوب، وتتعامل مع الدول الضعيفة وكأنها ممتلكات خاصة، لا كيانات ذات سيادة.
فاختطاف رئيس فنزويلا ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من العدوان الممنهج، الذي يستهدف كل دولة تجرؤ على الخروج من بيت الطاعة الإمبريالي، أو على بناء علاقات مستقلة مع قوى دولية منافسة.
كان رهان القوى الحرة على أن صعود قوى كروسيا والصين سيضع حداً لهذا الفجور السياسي والتغوّل، لكن الواقع يُظهر أن هذه القوى، رغم اعتراضها السياسي والإعلامي، ما تزال تتعامل بمنطق إدارة الصراع لا حسمه. فهي تدين، تحتج، وتحذّر، لكنها لا تكسر القواعد التي فرضتها الإمبريالية.
وهنا تتجلّى خطورة المرحلة:
فحين تُرتكب الجريمة على مرأى العالم، ويُكتفى بإدانتها لفظياً، تتحوّل السابقة إلى قاعدة، ويصبح القانون الدولي مجرد نصٍّ بلا روح.
. فالأمم المتحدة، التي كانت يوماً منبراً للصراع السياسي، فقد تحوّلت إلى شاهد زور على انهيار النظام الدولي. بيانات قلق، دعوات للتهدئة، ومواقف رمادية باهتة، في مقابل أفعال عدوانية تغيّر مصائر شعوب ودول.
وهذا العجز ليس تقنياً، بل بنيويا، لأن المؤسسة الدولية وُضعت أصلاً في خدمة موازين القوة، لا في خدمة العدالة. وهو ما ينسجم تماماً مع نقد سعاده للنظام العالمي القائم على استغلال الأمم الضعيفة باسم الشرعية الدولية.
ختاماً لا بد من القول ان الصراع لم يعد دبلوماسياً، بل وجودياً
وبين حذاء خروتشوف على طاولة الأمم المتحدة، واختطاف رؤساء الدول في القرن الحادي والعشرين، مسارٌ واحد يفضح حقيقة الإمبريالية:
التي حين تشتد أزمتها، تسقط أقنعتها، وتتحوّل من قوة سياسية إلى أداة قمع عالمي.
وإذا كان أنطون سعاده قد أكّد أن النهضة الحقيقية تقوم على الوعي والقوة المنظَّمة، فإن ما نشهده اليوم يثبت أن مواجهة الإمبريالية ليست خياراً فكرياً، بل ضرورة وجودية للأمم التي تريد أن تبقى.فالإمبريالية التي تسقط من عالم الإنسانية، لا يمكن إصلاحها، بل يجب مواجهتها بمشروع نهضوي واضح، يعيد للسيادة معناها، وللإنسان كرامته، وللصراع بعده الأخلاقي والتاريخي.

