المشروع العربي وصورته في سوريا الجديدة

في اللحظة التي يُفترض فيها أن تبحث فيها الشعوب عن استعادة سيادتها بعد الحروب والانهيارات، يجري في الحالة السورية طرح نموذج معاكس تماماً: نموذج لا يرمم الدولة، بل يعيد تعريفها بوصفها كياناً منزوع الإرادة، محدود الوظيفة، ومصمماً سلفاً ليتعايش مع واقع الاحتلال لا لمقاومته. ما تكشفه التسريبات المنشورة لا يمكن قراءته كترتيبات انتقالية أو تسويات سياسية عابرة، بل كمشروع متكامل لإعادة هندسة سوريا سياسياً وأمنياً وديموغرافياً، تحت عناوين براقة من قبيل «الاستقرار» و«السلام » و«البديل العربي»

الدولة التي جُرّدت من أنيابها

ينطلق هذا المشروع من مسلّمة خطيرة مفادها أن المشكلة في سوريا ليست الاحتلال ولا العدوان الخارجي، بل فكرة الدولة ذاتها كما تشكّلت تاريخياً. لذلك يُعاد تعريف الدولة من كيان سيادي يمتلك قرار الحرب والسلم إلى إدارة سياسية منزوعة السقف، محكومة بشروط أمنية وقانونية ثابتة، لا يحق لها امتلاك عقيدة وطنية أو تبنّي خيار مقاوم أو حتى صياغة سرديتها التاريخية بحرية. تتحول الدولة إلى جهاز ضبط داخلي، مهمته إدارة السكان ومنع الصدام، لا حماية الأرض أو الدفاع عن المصالح العليا.

حين يصبح القانون أداة احتلال

ضمن هذا الإطار، يصبح تفكيك الجيش والأجهزة السيادية خطوة مركزية لا تفصيلية. لا يُطرح الحل بوصفه إصلاحاً لمؤسسات أنهكتها الحرب، بل كإلغاء جذري لفكرة القوة الوطنية المنظمة. الجيش، بوصفه التعبير الأعلى عن سيادة الدولة وذاكرتها القتالية، يُفكك ويُعاد تصنيفه كجهاز أمني محدود الوظيفة، محروم من العقيدة ومن القدرة على الردع. بذلك تُنتزع من الدولة قدرتها على الدفاع عن نفسها، وتُترك حدودها ومصيرها رهناً لتفاهمات إقليمية لا تملك التحكم بها.

نهاية الأمة المسلحة وبداية الكيان المنزوع الردع

ويتكامل هذا التفكيك مع إلغاء الخدمة الإلزامية واستبدالها بجيش متطوعين صغير، في خطوة لا تمس البنية العسكرية فحسب، بل تقطع الصلة العضوية بين المجتمع والدفاع الوطني. لم يعد المواطن شريكاً في حماية الوطن، بل متلقياً سلبياً للأمن. تتحول القوة المسلحة إلى أداة تقنية قابلة للضغط والتوجيه، وتفقد صفتها الجامعة التي شكّلت تاريخياً أحد أعمدة الهوية الوطنية.

اغتيال المستقبل: تحييد المعرفة وتصفية القوة العلمية

ولا يقف المشروع عند حدود القوة الصلبة، بل يمتد عميقاً إلى المعرفة نفسها. تُخضع المؤسسات العلمية والبحثية والكوادر المتخصصة لنظام رقابة وتصاريح، وتُغلق أبواب البحث في المجالات الاستراتيجية. هنا لا يجري استهداف أشخاص بعينهم، بل استهداف المستقبل ذاته. تُعاد صياغة المعرفة بوصفها خطراً محتملاً يجب ضبطه، لا رصيداً سيادياً يجب تطويره. دولة بلا معرفة مستقلة هي دولة بلا أفق، محكومة بالاستهلاك والتبعية الدائمة.

الهندسة الطائفية بدل المواطنة: صناعة انقسام دائم

وفي موازاة ذلك، يُعاد تشكيل المؤسسة الأمنية على أسس طائفية مقنّعة، عبر منع فئات بعينها من الانخراط في الجيش والأمن لفترات طويلة. لا يُطرح هذا الإجراء بوصفه تدبيراً احترازياً، بل كإعادة تعريف للانتماء الوطني نفسه. تتحول المواطنة من رابطة قانونية جامعة إلى هوية مشروطة، ويُعاد إنتاج الدولة كنظام إدارة توازنات هش، لا كإطار جامع لمجتمع متنوع.

القانون كسلاح تهجير: من الإصلاح الزراعي إلى الإقطاع الجديد

أما الأرض، وهي جوهر الصراع التاريخي في هذه المنطقة، فتدخل بدورها دائرة التفكيك الناعم. إعادة فتح ملفات الإصلاح الزراعي لا تهدف إلى تصحيح مظالم قديمة بقدر ما تفتح الباب أمام تهجير قانوني واسع النطاق. يُستخدم القضاء لإعادة توزيع الملكيات، متجاهلاً عقوداً من الاستقرار الاجتماعي والتحولات الديموغرافية. تتحول الأرض من ركيزة للسيادة والاستقرار إلى ورقة ضغط وإعادة هندسة سكانية.

تصفية فلسطين على الأرض السورية

وفي هذا السياق، يُعاد التعامل مع ملف اللاجئين الفلسطينيين بوصفه عبئاً ديموغرافياً يجب تسويته داخل الجغرافيا السورية. تُطرح الجنسية بديلاً عن حق العودة، وتُسقط صفة اللجوء، بما يخدم مشروعاً إقليمياً لتصفية القضية الفلسطينية على حساب سوريا، وتحويلها إلى مساحة استيعاب لأزمات لم تكن يوماً من صنعها.

الجولان: من أرض محتلة إلى ذاكرة ممنوعة

ويبلغ المشروع ذروته الرمزية والسياسية في ملف الجولان. اعتماد خط عام 1974 كحدود نهائية، وحذف الجولان من المناهج والخرائط، لا يعني فقط تثبيت الاحتلال، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي. يُطلب من الأجيال القادمة أن تنسى أرضها، وأن تتعامل مع الاحتلال كحقيقة قانونية لا كجريمة تاريخية. هكذا لا يُغلق ملف الجولان سياسياً فحسب، بل يُمحى من الذاكرة الوطنية.

الاستيطان بلا دبابات: الملكية كسلاح احتلال

ويكتمل هذا المسار عبر بند الملكيات اليهودية، الذي يفتح الباب أمام استيطان قانوني طويل الأمد. باستخدام وثائق قديمة وسرديات انتقائية، يُعاد إنتاج نموذج الشيخ جرّاح داخل الجغرافيا السورية، حيث لا حاجة للدبابات ما دام القضاء يؤدي المهمة بهدوء. الأرض تُنتزع تدريجياً، والسكان يُهجّرون باسم القانون، والسيادة تُفرغ من مضمونها دون ضجيج.

تشظي الدولة وتكريس الكيانات: السيادة في غرفة الإنعاش

وأخيراً، يُكرَّس التشظي الإداري والرمزي عبر تثبيت إدارات محلية، وترميم معابد، وفتح مسارات دينية خاصة، بما يعيد رسم الخريطة السياسية والرمزية لسوريا. لا تعود الدولة مركز الهوية والسيادة، بل واحداً من عدة مكونات متجاورة، لكل منها مرجعياته وحماياته ورواياته.

ما يُقدَّم اليوم بوصفه «المشروع العربي» ليس بديلاً عن مشروع خارجي آخر، بل صيغة أكثر نعومة لتكريس الهزيمة. إنه مشروع لا يواجه الصهيونية، بل يتعايش معها، ولا يحمي سوريا، بل يعيد تشكيلها لتناسب شروط الاحتلال والاستتباع. الخطر الحقيقي لا يكمن في بند بعينه، بل في الصورة الكاملة: دولة بلا جيش، بلا معرفة، بلا أرض، وبلا ذاكرة. هنا، تحديداً، تصبح المواجهة واجباً نهضوياً، لا خياراً سياسياً، لأن ما يُفكك اليوم بهدوء قد لا يمكن استعادته غداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *