نتنياهو يُهَلْوِس وأميركا صاغِرَةً تجلِس مُصْغِيَةً

الجيوش تتقدم وتتراجع، تحتل أراضِيَ وتُخلي أخرى، فهذا هو عملها. أما لو أنها جرت متسللة إلى أراضٍ ليست لها، قاضِمةً في طريقها ما توفَّر لها من أراضٍ قَضْمَ البعير لأعشابها، فهذا وإن لم يكن من أعمال الجيوش الرَّاقية التي تحترم نفسها، إلا أنه قد يضاف إلى حسابها ربحاً صافياً وسهلاً، كما رِبح قُطّاع الطرق يجنون ما يجنونه نهباً وسطواً وسرِقة. وأما أن يدخل رئيس وزراء دولة أراضي الغير هكذا، جاريا متسللا، ثم مدَّعيا تملُّكَه لها، فقط لأنه دخلها مرتديا سترة عسكرية واقية، ومُعتَمِراً خُوذة فولاذية، تحميانه من مخاطر الطريق  ـ ولا مخاطر فيها حقيقة ـ  فهكذا عمل والنّذالة متساويان في الرتبة والمكانة، بل إن النَّذالة أشرف رتبةً ومكانة.

نتنياهو في خَطِّ الدفاع الأول عن حضارة العالم

ولئن كان دخول نتنياهو الأراضي السورية مؤخرا قد أحرج سوريا، مُعَرِّياً عجزها في الدفاع عن نفسها، فهذا لن يجعل منه بطلا لدى دخوله إياها. فمثلما كانت، هي البائسة المنكوبة، قد وقفت معذورة مُعَرَّاة كاشفة ضعفَها في عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها، فغير معذور كان قد وقف هو مُعَرّى، كاشفا غِلظتَه وغطرستَه واستعلاءَه، يُشهِرهم في وجه منكوبٍ بائسٍ ضعيفٍ لم يستطع مواجهته، وليس في كل هذا ما يشرِّف أحداً، أو يجعل منه بطلا.

سوريا قد تُلام في ضعفها الذي وصَلت إليه جانية فيه على نفسها بنفسها، لكن هذا لن ينال من كرامتها المتأصِّلة فيها، وهي المجروحة تَعَضُّ على جراحها متهيِّئة ليوم أفضل. نتنياهو سوف يُلام ويُدان باعتداءاته ومخالفاته للأعراف والقوانين الدولية، وهو كان قد لِيْمَ وأُدِين، من قبل المحكمة الجنائية الدولية المدعومة من معظم دول العالم، فيما بقي هو الوحيد، وبوقاحة لا نظير لها، يُمَجِّد نفسه، مُصِرّاً على أنه يُمَثِّل الخط الأول في الدفاع عن حضارة العالم المتمدن في وجه التخلف والبربرية. فيما عالمه المتمدن هذا، ويعني به الغرب تحديدا، بدأ على ما يبدو، يُبدي اشمئزازه من هذه المعزوفة التي لم يعد له طاقة على سماعها، ولم يعد يريد لنفسه حصة فيها. وما خُلُوُّ القاعة العامة للأمم المتحدة من معظم أعضائها مؤخرا، في كل مرة كان يعتلي فيها نتنياهو مِنَصَّتَها محاضرا في الأمم، غير الدليل الحَيّ على ذلك. فما بالك ومدينة نيويورك، المدينة المُستضيفة نفسها، وقد انبرت له مُضِيفةً شيئا جميلا إلى هذا المشهد أيضا، وذلك بتهديدها له علنا، وعلى مرأى ومسامع العالم أجمع، بفتح أبواب سجونها لاستقباله لو حاول دخولها مرة أخرى، علما أن نيويورك هذه، كانت المدينة التي ينال فيها التَّقريظ والأمان والحماية، أكثر من نيله إياهم في تل أبيب نفسها. هذا دونك، وأجواء السماء التي أخذت تضيق عليه، ولدرجة أنه لم يبقَ له منها غير المسافة الطويلة المتعرجة التي تؤدي به إلى حاميته أميركا، كواحدة من المسافات القليلة المسموح له بقطعها براحة واطمئنان في هذا العالم.

الحمل الوديع يرعاه شعب مختار

وأما لو أُضيف إلى هذا المشهد مشهد صرخات مدن العالم، الأوروبية منها والأميركية وغيرها، وقد أخذت تَجْهَرُ عاليا وعلانية مطالِبة باسترداد الحرية لفلسطين مُحَرَّرة «من النهر إلى البحر»، فلكنت أدركت ما الذي أيقظ في نتنياهو توحُّشَه وأثار فيه هلعه وعلى نحوٍ غامَرَ فيه بصورة الحَمَل التي تَلَبَّسها، مخاطِراً بكشف صورة الذّئب فيه التي أخفاها عن العالم، والعالم خُدِع بها طويلا. لا، ليس بعد اليوم، فإسرائيل الحَمَل الوديع، يرعاه شعب مختار، صورة دُفِنَت تحت أنقاض غزة، وانتهت إلى غير رجعة. وهذا ليس بالقليل بالنسبة لدولة مثل إسرائيل تعيش وتعتاش وتتسَوَّق وتسترزق على صورة كاذبة انفضحت أمام أعين العالم مؤخرا. نَعَم، لقد دَفَعت غزة ثمنا غاليا، غاليا جدا، أعجز من أن يتحمله بشر، بل وأقسى من أن يصمد تحت وطأته حجر، لكن غزة تحمّلته بصبر فاق العادة، بعد أن أُقفِلت في وجهها الأبواب جميعها، وهي وقفت شامخة صامدة لا تتزعزع.

إسرائيل الحَمَل الوديع، هذه صورة انتهت إلى غير رجعة، لتظهر صورة إسرائيل على حقيقتها، مساحة من الأرض لا حُملان تَرعى في حدائقها، بل ذئاب تعوي ضاجَّة في أمكنتها.

جبل المذبح الذي عليه تقام الصلاة

نتنياهو بنى عالمه على قِمَّتي جَبَلَين متقابلين، واحد أُعلِنت عليه البركة، والآخر حَلَّت عليه اللَّعنة. وأما الذي للبركة، فهو الذي يُمَثِّله هو، وأما الذي لِلَّعنة فهو كل شيء آخر. قال نتنياهو في قاعة شبه فارغة في مبنى الأمم المتحدة مخاطبا الأمم جميعها كي تسمع مُذْعِنة:

«منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام خاطب قائدنا العظيم موسى شعب إسرائيل وهم على وشك دخول الأرض الموعودة وقال إنهم سوف يجدون هناك جبلين متقابلين: جبل جرزيم، المَوقِع الذي ستُعلن عليه البركة العظيمة، وجبل عيبال وعليه سوف تحل اللّعنة. وقال موسى أنّ مصير الشعب سوف يتحدد من خلال الاختيار نفسه في كل مكان، وقد تردّد صدى هذا الاختيار نفسه في كل مكان، وإننا نواجه مثل هذا الاختيار اليوم».

هذه البركة التي تسلمها نتنياهو عازِياً إياها لنفسه، من عمقٍ يصل إلى ثلاثة آلاف عام في التاريخ، ليس فيها شيء من التاريخ حتى تستحق التفتيش عن جغرافية محدَّدة لها، سواء في فلسطين أو في غيرها من الأراضي المحيطة بها، بدليل أن هذين الجبلين الخرافيين كانا، ولا زالا، مصدر خلاف دائم، ليس على أيّ منهما كانت قد حطَّت البركة، أو على أيّ منهما كانت قد حلت اللعنة، وهذا مما لا يقاس أو يُلمس أو يُرى أصلا، ولكن على أيّ منهما كان الله قد اختار أن يُعْبَد، وهنا جوهر المشكلة! فجبلعيبال الذي هو جبل اللعنة، إذا به الجبل الذي اختير لِيُقام عليه المذبح، وعليه شاء الله أن يعبد: «وتبنون هناك (في/أو على جبل عيبال) مذبحا للرب إلهِك».

وأما جبل جرزيم المقابل له، فقد وقف مستغربا ومعترضا يسأل: كيف لجبل عيبال الذي هو جبل اللعنة أن يكون هو نفسه جبل المذبح، وعليه الله سوف يعبد، فيما هو جبل البركة يقف هكذا متفرِّجا؟ لا، فجاءه من يناصره معلنا إياه، هو جبل جرزيم، جبل البركة، كونه جبل البركة والمذبح معا: «ويكون المكان الذي يختاره الرب هو جبل جرزيم، وهناك يقام المذبح».

وفي زمن آخر، فإذا بمكان المذبح هذا يصبح في جبلٍ ثالثٍ آخر، لا دخل له بجرزيم أو عيبال، وهو جبل أورشليم، والذي فيه سوف الله يعبد، من دون أي ذكر لجبلَيّ عيبال أو جرزيم هذه المرة.هذا فيما صمد جبل جرزيم كمكان لهذا المذبح وإقامة الصلاة فيه، وذلك حتى مجيء المسيح الذي حسم هذا الأمر على مسمع من المرأة السامرية، ولكن من أجل أن يقف العالم كله مُصغِياً يسمع. قالت المرأة السامرية: «يا سيِّد أرى أنّك نبي! آباؤنا سجدوا في هذا الجبل (جبل جرزيم) وأنتم تقولون: أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجَدَ فيه». والمسيح قال: «يا امرأة، صدقيني، إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون للأب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم...».

بين النعاج والذئاب   وإذا ما كان من غير المؤكد أيّ من الجبلين كان جبل المذبح الذي عليه تجري الصلاة، فاللعنة والبركة المناطتان بهذين الجبلين بقِيتا تائهتين لا تعرف الواحدة منهما على أيّ من هذين الجبلين كانت قد حَلَّت طالما لم يعرف على أي منهما كان الله قد اختار أن يُعْبَد. ولم يكن لحضور الجبل الثالث الذي في أورشليم لاحقا ليعدِّل من الأمر شيئا، بل ليزيد على الإبهام إبهاما، والتَّيَهان تيهانا. هَلْوّسة! هلوسة لم يكن من المناسب أن تُسَخَّر مِنصّة الأمم المتحدة مكانا لها، ولكن نتنياهو، الحَمَل الوديع، ومن على منصتها العالية، كان قد امتَلَك القدرة والثّقة الكافيتين ليحاضر بالبركة التي أجازها لنفسه، مُعَلِّلاً اللَّعنة لكل من يخالفه. وما بمقدورك فعله، وأميركا بهيبتها وعظمتها تسمع نتنياهو يهلوس وهي صاغرة تجلس مصغية، شاطِحة هي الأخرى في هلوسات لا تقل شأنا عن هلوساته نفسها، غير مترددة في تغذيته وتقويته حتى ولو جاء وقت تعود مخاطر تغذيته وتقويته عليها؟ النِّعاج لا تُجرِي حوافِرَها في غير العشب، وأمّا الذِّئاب فلا تَشْحَذ مخالِبَها لِغَير القتل.

اركان البحري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *