غرينلاند «ليست للبيع»

منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، يوزع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كل الاتجاهات قرارات «احتلال» و«شراء» و«عمليات عسكرية» وما إلى ذلك من المواقف والعمليات التي تفتح جبهات في أنحاء الأرض الأربعة. وصل به الأمر إلى طرح شراء جزيرة غرينلاند أو السيطرة عليها. تلك الجزيرة الذاتية الحكم التي تتبع لمملكة الدنمارك، شددت السلطات الدنماركية والجرينلاندية مراراً على أن الجزيرة «ليست للبيع».

جزيرة غرينلاند إقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، وهي أكبر جزيرة في العالم، ولكنها الأقل سكاناً، ويغطيها ثاني أكبر غطاء جليدي في العالم بعد القارة القطبية الجنوبية. تقع شمال شرق كندا بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي. وتعدّ كندا أقرب الدول إليها، إذ تبعد عنها 26 كيلومتراً فقط. وغرينلاند هي جزء من قارة أميركا الشمالية، لكنها من الناحية الجيوسياسية جزء من أوروبا بسبب تبعيتها للدنمارك. تبعد عن أقرب دولة أوروبية (آيسلندا) نحو 320 كيلومتراً عبر مضيق الدنمارك، وترتبط بأميركا الشمالية عبر حاجز بحري لا يتجاوز عمقه 180 متراً.

تحتوي غرينلاند على حوالي 2,85 مليون كيلومتر مكعب من الجليد، وهو ما يعادل نحو7 % من إجمالي المياه العذبة في العالم. ووفق تقديرات أوردتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، إذا ذاب هذا الجليد بالكامل وتحول إلى ماء سائل، فإنه سيؤدي إلى ارتفاع مستوى محيطات العالم بنحو 7,2 أمتار. إلى ذلك تتمتع الجزيرة بموارد ثمينة كالفحم وخام الحديد والرصاص والزنك والألماس والذهب والبلاتين والنيوبيوم واليورانيوم، وفيها ثروة حيوانية هامة من الأسماك والفقمة والحيتان، وطاقة كهرومائية. وتحظر غرينلاند استخراج النفط والغاز الطبيعي لأسباب بيئية، كما واجه تطوير قطاع التعدين فيها عراقيل بسبب معارضة السكان الأصليين.

في ديسمبر/كانون الأول 2024، صرّح ترامب بأن امتلاك الولايات المتحدة لغرينلاند والسيطرة عليها يعدان ضروريين للأمن القومي والحفاظ على «الحرية العالمية»، موضحاً أنه يسعى لجعل الجزيرة جزءاً من الولايات المتحدة، من دون استبعاده استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية للضغط على الدانمارك من أجل التنازل عنها. كما عبّرت الولايات المتحدة عن اهتمامها بتوسيع وجودها العسكري هناك، بما في ذلك وضع رادارات متقدمة لمراقبة المياه بين الجزيرة وآيسلندا وبريطانيا، وهي منطقة تُعد معبراً مهماً للسفن البحرية والغواصات النووية الروسية.

أطماع اميركا بغرينلاند يعود إلى القرن التاسع عشر إذ أولت الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً بها، وحاولت شراءها من الدنمارك. وقد دعا مسؤولون أمريكيون على الدوام إلى الاستحواذ على الجزيرة. فعلى سبيل المثال اقترح الرئيس الأميركي هاري ترومان عام 1946، عندما كانت غرينلاند لا تزال مستعمرة دنماركية، شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار، لكن كوبنهاغن رفضت البيع. واستمرت المحاولات وكان آخرها طرح دونالد ترامب في فترة ولايته الأولى عام 2019، ثم معاودة طرحه الموضوع بعد انتخابه في عام 2024 لتعزيز النفوذ الأمريكي.

وأثارت حادثة تحطم طائرة عسكرية أميركية عام 1968 قرب قاعدة ثول في الجزيرة، كانت تحمل 4 قنابل هيدروجينية، مخاوف السكان بشأن استمرار الوجود الأميركي فيها. وتزايد القلق بعد اكتشاف أن الولايات المتحدة كانت تخزن أسلحة نووية في الجزيرة، علما أن الدنمارك تحظر الأسلحة النووية على أراضيها أو فوقها، مما دفع إلى مطالبات بمزيد من السيطرة على الشؤون الدفاعية.

اليوم تعود غرينلاند إلى واجهة الأحداث وإلى الجدل القائم بين الولايات المتحدة الأميركية والدانمارك التي عبّرت رئيسة وزرائها مته فريدريكسن عن رفض حكومتها اقتراح ترامب بشكل قاطع علماً أن الدانمارك عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرة أن أي هجوم عسكري على دولة عضو في الحلف قد يؤدي إلى شلل كامل في جميع عملياته.

مته فريدريكسن انتُخبت عام 2015 رئيسة للحزب الديمقراطي الاجتماعي وزعيمة للمعارضة، ثم توّجت مسيرتها السياسية مع توليها منصب رئيسة وزراء الدانمارك عام 2019. ومنذ ذلك الوقت شهدت فترة ولايتها توتراً في العلاقات بين الدانمارك والولايات المتحدة، لا سيما حين حاول دونالد ترامب شراء الجزيرة مرة أخرى في أغسطس/آب 2019 لكن حكومة الدنمارك وغرينلاند رفضتا. وفي 22 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعرب ترامب عن أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند وسيطرتها أمر ضروري للأمن القومي والحرية العالمية. وقال إنه يريد أن يجعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة، وإنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية لإجبار الدانمارك على منحها لواشنطن.

بعد رفض حكومتها اقتراح الرئيس ترامب شراء غرينلاند، تمسكت فريدريكسن بموقفها الرافض له مؤكدة أنها «ليست للبيع»، ومشددة على مبدأ السيادة الإقليمية. وتصدّت لرغبته في السيطرة على الجزيرة، بالرغم من أنه لم يستبعد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية للضغط على كوبنهاغن من أجل التنازل عنها، واتخذت فريدريكسن موقفاً حازماً تجاه أي محاولة لبسط اليد عليها بالقوة. وفي مطلع 2026، جددت موقفها الحازم تجاه أي محاولة للسيطرة على غرينلاند بالقوة.

اللافت أن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند لا يشكل خطراً على الدانمارك فحسب، بل أن توسيع وجودها العسكري وزيادة القواعد العسكرية لها في الجزيرة يهدد عبور السفن البحرية والغواصات النووية الروسية، خصوصاً إذا قامت أميركا بوضع رادارات هناك لمراقبة المياه بين الجزيرة وآيسلندا وبريطانيا، إذ تعد تلك المياه بوابة لعبور السفن وسواها.كيف ستتصرف أوروبا؟ كيف سيكون موقف ترامب ؟ وما هو حال حلف الأطلسي من تنامي جنون رئيس الولايات المتحدة الأميركية ؟كل ذلك رهن بالايام المقبلة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *