المقاومة روح وجوهر وجودنا

فقدت حكومات الشعب السوري، بشكل عام، الشعور القومي والوطني، وكل أمة تفقد حكومتها هذا الشعور يكون مصيرها الضياع والتلاشي. وفي الوطن السوري، فقدت الحكومات أبسط مجالات التمثيل الحقيقي للشعب ومصالحه، ولم تعد تقوم بواجباتها تجاه الوطن والمواطن وحمايتهما، بل زحفت هذه الحكومات نحو التنازل عن الأرض وحماية الشعب بدلًا من الدفاع عنهما. هي تعتقد نفسها وطنية وقومية، فيما تمارس في الواقع أبشع أنواع العصبية الطائفية والمذهبية.

لقد فقدت الحكومات المصطنعة، وأغلب أحزاب الشعب السوري، المعنى السياسي الوطني المعبّر عن حقوق الشعب في بلوغ أغراضه القومية والوطنية، وهي مع ذلك تدّعي العمل السياسي تحت عنوان أن السياسة فنّ تحقيق الممكن، في إطار ما يُسمّى بالواقعية السياسية. وبئس هذه النظرة المقيتة للعمل السياسي، إذ قادنا سلوك هذه الحكومات والأحزاب النفعية إلى حقيقة واقعية مفادها أنها حكومات وأحزاب انعزالية طائفية، فاقدة للعمل السياسي الحقيقي المنبثق عن إرادة الشعب، الذي يطمح إلى الحرية والاستقلال والسيادة، وإلى الحياة الكريمة والأمان في أرضه ووطنه.

وما نراه اليوم في هذه الحكومات أنها تعبّر عن إرادة الأجنبي لا عن إرادة الشعب، وتتبع سياسة ومصالح العدو والمستعمر الأجنبي، لا سياسة ومصالح الشعب. كما أن الأحزاب والتكتلات وخلافها ليست سوى أدوات يحركها العدو اليهودي والمستعمر الأميركاني، وتُوظّف لخدمة مشاريعهم على حساب مصلحة الشعب وحقوقه الوطنية.

إن الشعب الذي يرى بوضوح أن هذه الحكومات وهذه الأحزاب تقوده نحو القبول بالاحتلال العسكري، والاحتلال السياسي والثقافي والاقتصادي، يكون واجبه أن يثور على هذه الحكومات وهذه الأحزاب. ونحن لا ندعوه إلى الثورة المسلحة ولا إلى الاقتتال الداخلي، بل ندعوه إلى التعبير الواضح عن أن هذه الحكومات وهذه الأحزاب لا تمثّل مراده ولا تطلعاته، وإلى الانكفاء عنها، والعمل على إسقاط الحكومات التي هي ساقطة أصلًا في الأمن والسياسة، وفي تأمين المصالح الحياتية الأولية للمواطنين.

نحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي نؤمن بأن الشعب السوري يمتلك كل الإمكانيات الفاعلة، وفيه طاقات ثقافية وازنة، وقوة مناقبية أخلاقية عظيمة، لا تنطلي عليها لا تجارة ولا فذلكات الحكومات السياسية، ولا ترهات الأفكار الحزبية الدينية والطائفية الانعزالية. ونؤمن أن هذا الشعب السوري، الذي صدّ وصمد في وجه الاحتلالات، بدءًا من الاحتلال الروماني وصولًا إلى الاحتلال اليهودي والتركي والأميركاني وغيرهم في حاضرنا، لن يعجز عن الصمود والصدّ وهزيمة هؤلاء الأعداء الجدد.

لقد افتُتح طريق النصر على هؤلاء الأعداء بدماء آلاف الشهداء، ورفع شعبنا لواء المقاومة في مواجهة هذه الاحتلالات، ولا يزال يذود عن هذا اللواء بخيرة شبابه وشاباته. ولن يُقفل هذا الطريق بفضل الإرادة الشعبية التي يجب أن تعمّ الشعب السوري كله. فالمؤامرات الخارجية، وما يلاقيها من ترحاب لدى بعض السياسيين في الداخل، ليست سوى مرحلة زائلة، لأنها لا بد أن تصطدم بوعي الشعب لوحدته وحقوقه ومصالحه، ولا بد لهذا الشعب السوري أن يكون وجوده عزيزًا كريمًا.

لقد أصاب هذا الشعب كل ما في وسع العدو فعله، من قتل وتدمير لمقومات الحياة، ومن حصار اقتصادي ومالي، ومن غارات مستمرة. وقد وظّف العدو اليهودي والأميركاني وأعوانهما كل ما يملكون من قوة في ساحة المعركة، إلا أن النتيجة كانت واضحة لم ينالوا من إرادة المقاومة عند شعبنا، ولم ولن يرفع شعبنا الراية البيضاء.

وما بقي بيد العدو لكسر إرادة مقاومة الشعب السوري سوى العمل على إحداث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد. وقد نجح في بعض مناطق الوطن السوري في إطلاق القتال العسكري، ونجح في مناطق أخرى في إحداث شرخ نفسي وسياسي ومذهبي، دافعًا بذلك، وبمساعدة الحكومات والسلطات الحالية، نحو الاقتتال الداخلي. وفعلاً، فإن هذه الحكومات المنقادة خلف الأميركاني واليهودي وأعوانهما هي التي تصنع الأجواء وتُهيّئ الظروف للفتن، وقد فقدت بأفعالها السيئة شرعيتها كحكومات ممثّلة لمصالح الشعب، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من مشروع الاحتلال.

إن الرد الحقيقي يكون باحتضان الشعب لمقاومته، وبالتفافه حول نفسه، وبالتمسك بالوحدة الوطنية، ورصّ الصفوف بعيدًا عن المناطقية والنعرات الدينية والمذهبية، وبعيدًا عن المفاهيم الفكرية وأصولها، وعن الأشكال السياسية وغاياتها. فنحن اليوم تحت الاحتلال، والأولوية في هذه المرحلة هي الدفاع عن وجودنا كشعب، وعن بقائنا كأمة. وهذا يتطلب شعارًا واحدًا يزرعه الشعب في قلبه ويعمل بموجبه، وهو أن المقاومة هي روح وجوهر وجودنا.

بهذه الروح نطرد الاحتلال، ونسقط المشروع اليهودي والأميركاني وحلفاءهما، ونُسقط مفاعيلهم داخل المجتمع. وقد يرى أصحاب النفوس الضعيفة أن هذا الجهاد حمْلٌ ثقيل ومكلف، فيؤثرون رفع الراية البيضاء على المقاومة، ويرضون بالذل والهوان، إلا أن هؤلاء لا يمثلون الأمة السورية. أما أصحاب النفوس العظيمة، فيتسابقون إلى الجهاد من أجل تحقيق الحياة العزيزة، لأن نفوسهم قد نهلت من منابع المناقب والأخلاق السورية، التي لا ترضى إلا بحياة تكون قواعد مجراها الحرية والسيادة والكرامة    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *