ما نعرفه عن توماس هُوبز هو ذلك الاقتباس الشهير: [الإنسان ذئب لأخيه الإنسان] وقد سمعناه منذ وعينا وأدراكنا حقيقة هذه الحياة المصنوعة بآليات العنف والصراعات، ومع الأسف الشديد تبيّن لنا أن الإنسان فيه الكثير الكثير من الصفات الذئبيّة إذا صح التعبير بحسب هوبز حيث تطغى الحيوانية على الإنسانية!
هذا الإنسان الذي يفوق الذئب، في الوحشية والنّهم والإجرام والقتل المتعمد من هو وما هو؟ لقد استماتت الأديان كي تسبغ صفة الروح على الإنسان وتجعل منه كائِنا متساميا، ولكن ما هي النتيجة؟
وُلد توماس هوبز عام 1588، وشهد إنجلترا وهي تتمزق جراء الحرب الأهلية ثم تعيد بناء نفسها من جديد. ومن قلب ذلك الاضطراب خرجت رؤيته القاتمة للقوة والخوف والطبيعة الإنسانية، وهي رؤية أسهمت في تشكيل نظرية العقد الاجتماعي الحديثة.
كان توماس هوبز فيلسوفاً من القرن السابع عشر، واشتهر بنظرياته في السياسة والعقد الاجتماعي، يؤمن بأن البشر في جوهرهم أنانيون، تحرّكهم غريزة حفظ الذات. وفي حالتهم الطبيعية، يكون الناس في حرب مستمرة، بعضهم مع بعض.
تخيّل مثلاً قائداً لبلد ينكر أزمة اقتصادية وشيكة رغم أن كل المؤشرات تدل عليها. الناس الذين يثقون به قد يستمرون في إنفاقهم المعتاد إلى أن يواجهوا الانهيار المالي. ولو أدركوا الحقيقة مبكراً وتصرفوا بناءً عليها، لكان بإمكانهم التخفيف من الكارثة أو تجنبها.
ومثال آخر نجده في العلاقات الشخصية: شخص يتغاضى عن إشارات الخطر في سلوك شريكه، ثم يدرك لاحقاً حجم ما ضحّى به عبر السنوات. عندها يصبح الانفصال أكثر تعقيداً بسبب التعلّق العاطفي أو المصالح المالية المشتركة أو وجود أطفال.
يمكن تصور الجحيم هنا كسجن من الندم على اختيارات اتُخذت لأن حقائق أساسية تم تجاهلها. والرسالة واضحة: من الأفضل السعي إلى الحقيقة بدل انتظار لحظة قد يأتي فيها الإدراك متأخراً.
أيها الإنسان كن دائماً متشككاً، واسأل وتحقق، بدل تأجيل ذلك إلى مستقبل قد لا يأتي أبداً.
»حالة الإنسان… هي حالة حرب الجميع ضد الجميع«
يلخّص هذا الاقتباس جوهر فلسفة هوبز. ففي الحالة الطبيعية، يُوجَّه البشر بمصالحهم الذاتية ويخوضون صراعاً دائماً على السلطة والموارد. ونتيجة هذا التنافس المستمر هي حالة حرب، يُدفع فيها الناس إلى مواجهة بعضهم بعضاً.
إذا أزلنا الحكومة أو النظام الاجتماعي من المعادلة، يصبح الأفراد أحراراً في فعل ما يشاؤون دون قيود. عندها يصبح الصراع حتمياً، لأن كل شخص يريد شيئاً على حساب غيره. وتتحول الموارد مثل الطعام والمأوى والماء إلى سلع نادرة، ما يؤدي إلى العدوان والعنف، حيث يقاتل الأفراد بعضهم البعض لمجرد البقاء أو لتحقيق أهدافهم الشخصية.
وتقدّم العلاقات الدولية مثالاً مشابهاً. فكل دولة تعمل وفق مصالحها الخاصة. ومن دون اتفاقيات ملزمة أو تحالفات، تسعى الدول إلى التفوق عبر التنافس على الأرض، أو الموارد، أو النفوذ أو الهيمنة، وقد يتصاعد هذا التنافس إلى حروب.
يرى هوبز أن هذا الصراع الدائم يتطلب سلطة مركزية قوية بما يكفي لحفظ النظام وضمان السلام. ولا يخرج الناس من هذه الحالة الشبيهة بالحرب إلا عندما يتنازلون عن بعض حرياتهم مقابل حماية الدولة لهم. ومن خلال توضيح كيفية نشوء الصراع في غياب الهياكل التي تكبح غرائزنا الدنيا، يجادل هوبز بأن الأنظمة السياسية القوية ضرورية لتحقيق الاستقرار.
«القوة والخداع هما الفضيلتان الأساسيتان في الحرب»
يقدّم توماس هوبز طرحاً مزعجاً عن الحرب والصراع، إذ يرى أن استخدام القوة والخداع ليس شائعاً فحسب، بل يُعدّ فضيلة في زمن الحرب.
يرى هوبز أن البشر مدفوعون أساساً بالمصلحة الذاتية والرغبة في القوة. وفي حالة الحرب، حيث تكون الموارد أو الهيمنة على المحك، يرى أن القوة والخداع هما أنجع الوسائل لتحقيق الغاية. وتشير القوة إلى العدوان الجسدي أو استخدام التفوق العسكري لإخضاع العدو، مثل الهجمات المسلحة أو أعمال العنف الهادفة إلى إضعاف الخصم.
أما الخداع فيشير إلى الأساليب المضللة التي تمنح ميزة غير عادلة، مثل نشر المعلومات الكاذبة، أو الدعاية، أو التجسس، أو التظاهر بالتحالف.
في صراعات مثل الحرب العالمية الثانية، لجأ الطرفان إلى القوة والخداع: حملات عسكرية ودعائية من جهة، وكسر الشيفرات والعملاء المزدوجين من جهة أخرى. إن اعتبار هوبز للقوة والخداع فضيلتين في الحرب يسلّط الضوء على فهمه للصراع بوصفه ساحة تُستخدم فيها هذه الأساليب لفرض السيطرة وضمان البقاء.
»العلم هو معرفة العواقب واعتماد حقيقة على أخرى»
العلم، في نظر هوبز، هو فهم ترابط الحقائق واعتماد بعضها على بعض، وليس مجرد مجموعة من الملاحظات المنفصلة. فالمعرفة الحقيقية تنبع من إدراك العلاقات السببيّة، أي كيف يؤدي شيء إلى آخر ضمن سلاسل من السبب والنتيجة.
تُظهر قوانين نيوتن للحركة هذا المعنى بوضوح، إذ تربط بين القوى وحركة الأجسام. فقانون نيوتن الثاني، على سبيل المثال، ينص على أن القوة المحصلة المؤثرة في جسم تتناسب طردياً مع تسارعه (F = ma)، ما يوضح كيف تؤثر القوة المبذولة في حركة الجسم.
وبالمثل، فإن فهم علاقات السبب والنتيجة في علم الأحياء يمكّننا من استيعاب كيفية انتقال الأمراض. فمن خلال دراسة الأنماط الوبائية، نستطيع ملاحظة كيفية انتشار المرض داخل المجتمعات وتحديد الإجراءات الوقائية، مثل التطعيم أو الحجر الصحي.
«الكلمات عُدَدُ الحكماء؛ بها يحسبون، لكنها عملة الحمقى»
يقدّم هذا الاقتباس رؤية هوبز للغة، إذ يشير إلى أن قيمة الكلمات تختلف بحسب قدرتنا على التفكير النقدي والتمييز.
كان هوبز يرى أن الحكماء يتعاملون مع الكلمات بوصفها أدوات أو رموزاً تُستخدم لنقل المعنى، مثل القطع في لعبة حسابية. فهي وسيلة للتعبير عن الأفكار، والدخول في نقاش عقلاني، والوصول إلى الحقيقة. وبما أن الكلمات قابلة للتلاعب وسوء الاستخدام، فإنهم يتعاملون معها بحذر، ويختبرون دائماً ما إذا كان وراء الخطاب مضمون حقيقي.
أما الحمقى، أي من يفتقرون إلى التفكير النقدي، فيتعاملون مع الكلمات كما لو كانت ذات قيمة جوهرية بحد ذاتها، من دون فحص لما يُقال. بالنسبة لهم، تملك الكلمات سلطة على الواقع نفسه، وقد ينخدعون بسهولة بالخطب المؤثرة أو الوعود الفارغة.
يبيّن اقتباس هوبز أن اللغة لا تحمل الموثوقية بذاتها، بل تعتمد على قدرتنا على فحصها نقدياً. فالحكماء يستخدمون الكلمات كأدوات للتواصل، بينما يضع الحمقى ثقتهم العمياء فيها دون اختبار صحتها.
في خلاصة الكلام، ماذا يعلّمنا هوبز فعلا؟
وفي الوقت نفسه، يؤكد هوبز أن الفهم الحقيقي يقوم على إدراك ترابط الحقائق وكيفية استخدام اللغة. فالعلم عنده هو علم بالأسباب والنتائج. أما الكلمات فهي أدوات في يد الحكماء، وفخ في يد غير النقديين. ونتعامل مع اللغة بوعي وحذر على أمل إن يستفيد الناس من تعاليم المفكرين الفلسفية ويخرجون من ظلام أنفسهم وينبذون الجهل وينصتون إلى صوت العقل مصدر الشرع الأعلى .

