سعاده في مواجهة الخيانة الخيانة المركّبة: من تشويه السمعة إلى تقويض الثقة الاجتماعية جبران مسوح نموذجاً

تمثّل قضية جبران مسوح نموذجاً كاشفاً للخيانة المركّبة، تتجاوز حدود الانحراف الفردي لتطال الأبعاد الفكرية والاجتماعية والمالية، بما يجعلها حالة نموذجية لفهم آليات الانقلاب من الداخل وتحلّل الثقة التي يقوم عليها التنظيم والمجتمع معاً. ففي تحليله لهذه القضية في مقال «نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابه (1)»، يوضح سعاده أنّ مسوحاً »قد انقلب على الحزب وأصبح يعمل كل ما في وسعه للنيل من كرامته وتشويه سمعته وسمعة الزعيم»[1]، الأمر الذي يكشف أنّ الخيانة هنا لم تكن مجرّد اختلاف أو خروج، بل تحوّلاً واعياً من الداخل إلى قوّة معادية تسعى إلى تقويض هيبة الحزب عبر التشويه والهجوم. ويصف سعاده مسوحاً بأنّه

 آخر الملعونين الذين سقطوا من الحزب السوري القومي لانفضاح سوء طويتهم ومثالبهم هو: المدعو جبران مسوح. وهذا الشخص الذي بقي إلى آخر ساعة ـ ساعة طرده الزعيم من حضرته في المحل التجاري أمام شهود من الناس سوريين وأجانب ـ يتظاهر بالغيرة على النظام القومي الاجتماعي والتفاني في سبيل الزعيم وسلامته، لم يختلف عن الذين سقطوا قبله في شيء. مثل كل واحد منهم صار ينادي بعد سقوطه أنّ الزعيم ناقص وضعيف الرأي وسخيف الفكر، الخ. ومثل كل واحد منهم لم يكن يرى للزعيم نقصاً أو ضعفاً إلا بعد أن أقصاه الزعيم لظهور خيانته، أو غدره أو نفاقه أو خساسة غايته، أو جميع هذه المثالب متحدة![2]

كشف سعاده كيف أن مسوحاً كان يصغي إلى أحاديثه ليأخذ أفكاره ويكتبها للناس كأنها أفكاره[3]، محوّلاً التعاليم القومية إلى «صناعة حياكة» شخصية، حيث «كانت كتاباته صناعة حياكة اتخذ أفكار الزعيم وأقواله وأحاديثه خيوطاً لها».[4] وقد بلغ به الغرور أن رشّح نفسه في ختام كتابه «المسيحي والمسلم» لزعامة «مفكري العرب» وحامي صفوفهم، ناعتاً نفسه بمحرر الفكر العربي، معتبراً أنه الكاتب الوحيد القادر على كتابة «كل ما لا يستطيع أن يكتبه سواه».[5]

وفي رسالة إلى يعقوب ناصيف، يقول سعاده:

كل هذا الإجرام العظيم الذي ارتكبه الـمدعو جبران مسوح هو جزائي وجزاء زوجتي منه على ما قمنا به نحوه من إكرام وتعزيز، وعلى إنقاذنا حياته من الـموت. هكذا يعرف الوفاء هذا الـمرائي الذي جعل همه الإصغاء إلى أحاديثي ليأخذ أفكاري ويكتبها للناس كأنها أفكاره، وكان آخر ما كتبه من هذا القبيل «صلاة الإنكليزي» التي هي خلاصة حديث تشريحي أدليت به إليه في صدد نفسية الإنكليز وكيفية نظرهم إلى العالم وشؤونه. وإلا فجبران مسوح عاجز جداً بنفسه عن الوصول بتفكيره الـخاص إلى النظرة التي ظهرت في «الصلاة» الـمذكورة.[6]

كما يتجلى البعد الاجتماعي للخيانة فيما يُسميه سعاده «إفساد العلاقات بين الرفقاء» و«نشر روح الشك والريبة في النفوس». وهذا ما يجعله يحذر من خطر الخيانة وانتشارها. في محاضرته العاشرة في الندوة الثقافية، يقول:

«كان كل خائن يظن أنه يقوم بمهارة عظيمة إذا سبق غيره إلى الخيانة ليستفيد من نتائجها. وإلى اليوم لا نزال نسمع من يقول» إذا لم أسبق أنا إلى الخيانة يسبقني غيري ويأخذ الوظيفة. إذن يجب عليّ أن أسابق في الخيانة لأسبق غيري إلى اجتناء الفائدة التي يمكن اجتناؤها من الخيانة.[7]

وقد عانى مسوح من «غرور العجز» ـ تلك «الحالة النفسية المعقدة التي يحاول أصحابها دائماً القيام بأعمال والتّفوّه بأقوال القصد منها إظهار عجزهم أو ضعفهم بمظهر القوة«.

وهكذا، تظهر قضية مسوح كيف أن الخيانة الفكرية ـ عندما تقترن بمحاولة «التجارة بالأقلام» و«تشويه السمعة الطيبة» ـ تتحول إلى آلة هدم شاملة تستهدف كلاً من العقيدة والنسيج الاجتماعي معاً.

الخيانة الشخصية والمالية: الغدر من أقرب الدائرة

لا تقتصر خيانة جبران مسوح على الأبعاد الفكرية والتنظيمية فحسب، بل تمتد إلى نموذج صارخ للخيانة الشخصية والمالية. تشير مصادر تاريخية متعددة، منها ما ورد في مذكرات مقربين من سعاده، إلى أن مسوح ـ والذي كان شريكاً له في متجر ـ أساء استغلال الثقة والشراكة، مما أدى إلى خسارة سعاده لأمواله وتركه في ظروف مادية صعبة. وتتجلى خيانة مسوح المالية في وقائع عديدة يوردها سعاده، منها كيف كان مسوح يمارس الخداع في المتجر المشترك، حيث كان «يطلب ثمناً أعلى من السعر المحدد» للبضائع، وعندما ينتقده الزعيم كان يبرر ذلك بقوله: «نقول أشياء كثيرة يجوز للتاجر أن يقولها».[8]

وكانت هناك تحذيرات مبكرة من شخصية مسوح، كما ورد في مقال «الوداد» الذي وصف مسوح بأنه «رجل خائن بلا ضمير» وحذّر من أن «مديحه سم قاتل»، وشبّهه بالأفعى التي «تغشك في نعومتها، ولكن متى صار لها وقت لا تقصر عن لسعك.»[9]

وتكشف رسائل سعاده عن بعدٍ أكثر مرارة لهذه الخيانة، حيث يصف مسوحاً بـ «الخائن الغادر»[10] الذي خان الشراكة بينهما، مستغلاً الثقة الشخصية التي منحها إياه سعاده، مما أدى إلى خسارة سعاده لرأسماله وأتعابه وأتعاب زوجته.[11] وقد كان للخيانات المتكررة أثرٌ بالغ على سعاده نفسياً وجسدياً، كما يتبين من رسالته إلى معروف صعب (21/09/1946) حيث يقول: «إنّ صحتي ليست كما أود وأعصابي التي أضناها استنزاف القوى بلا هدنة لم تعد إلى حالها الأول. وما لقيته مؤخراً من عقوق وخيانة وغدر، وما اضطررت لبذله من مجهود للتغلب عليها وحدي بلا أعوان لم يـمكنّي من اطراد التحسن ومن الاهتمام بحالتي الصحية، بل قد طرأ مؤخراً عارض جديد هو ألم عضلي أو فيزيائي في القلب، يغيب مدة ثم يعود». ويضيف سعاده أن زوجته تعتقد أن هذا الألم «نتيجة التعب والـمجهود الأخير»[12]، مما يدل على العمق النفسي والجسدي لتداعيات هذه الخيانات.

تمثّل هذه الخيانة المباشرة غدراً مزدوجاً: خيانةً للثقة الشخصية وللشراكة الاقتصادية من جهة، واستغلالاً لعلاقة الصداقة لتغطية أعمال النهب من جهة أخرى. وهكذا تتحوّل خيانة جبران مسوح من مجرد انحراف فكري أو مالي إلى نموذج شامل للخيانة الوجودية، حيث «قتل القتيل ومشى في جنازته» – على حدّ تعبير سعاده – مجسّداً أخطر أشكال الخيانة التي تجمع بين الغدر الفكري والمالي والاجتماعي في آنٍ واحد.[13] ويخلص سعاده إلى أنّ مجتمعاً تنتشر فيه مثل هذه الخيانات هو «مجتمع لا يستحق البقاء، لأنه فقد شرط وجوده الأساسي وهو الثقة». وفي هذا الإطار، تتكشّف خيانة الأمانة الاجتماعية، في نموذج مسوح، بوصفها فعلاً مركّباً يتجاوز الانحراف الفردي ليقوّض أسس العلاقات الاجتماعية والتنظيمية، إذ حين يُستبدل الواجب بالمصلحة وتُحوَّل المواقع والمسؤوليات إلى أدوات تشويه وابتزاز، لا تعود الخيانة حادثة معزولة، بل تصبح نمطاً يهدّد البنية الأخلاقية للجماعة ويقوّض الرابطة التي بدونها لا تقوم نهضة ولا يستقيم مجتمع حيّ.


[1] راجع ايضاً رسالة سعاده إلى نعمان ضو تاريخ 23/12/1944.

[2] نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها (1)، الزوبعة، يوينُس آيرس، العدد 83، 22/1/1945 والعدد 48، 26/3/1945.

[3] رسالة إلى يعقوب ناصيف، 12/10/1944.

[4] نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها (2).

[5] نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها (2)

[6] رسالة إلى يعقوب ناصيف، 12/10/1944.

[7] محاضرة الزعيم العاشرة في الندوة الثقافية

[8] نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها (1).

[9] عنوان المقال: «الزوبعة وبقية الصحافيين» نشره صاحب مجلة «الوداد» بشارة عواد. المرجع ذاته.

[10] رسالة إلى يعقوب ناصيف، 12/10/1944.

[11] رسالة إلى يعقوب ناصيف، 12/10/1944.

[12] الأعمال المصنفة، مجلد تاريخ الحزب (الجزء الثاني)، رسالة إلى معروف صعب 21/09/1946.

[13] نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها (1).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *