شوقي أبي شقرا، الشاعر المُلهم، الناثر المتألِّق، الناقد الحاذِق، الذي غابَ عنّا في الشّهر العاشر من 2024، وهو على مشارف التسعين، يعود إلينا، بعد عامٍ على غيابه، في كتابٍ في وصيّة، ولعلّها وصيّة في كتاب، عنونَه بنفسه حتى ينام الراقدون: نتسامر نحن والفرقد والشمعة إبنة الأرض، هي ما طابَ له من مقالاته وقصائده كان سطّرها على مدى ستّين عاماً ونيّف، بدءاً من 1959 وحتى رقدته المفاجئة، فجمعها كما راقَ له وارتاحَ إليه خلال خمس سنوات قبل رحيله، فجاءتْ للنشىء منارةً وللبحث أُمثولةً وللقراءة متعةً، هو المولود في محلّة النهر في بيروت، صبيّ الوعر في رشميّا في الجبل حيث نكهة أقراص الزعرور والعنّاب، حاشية قصيدة، وحيث فوحُ التفّاح ورحيق العنب حبرٌ، متن نثره، الصاعد إلى ذُرى صنّين، لمنيرة ومجيد أبي شقرا المولوديْن في مزرعة الشوف، هو بهذا الموروث علّمنا كيف تسقطُ المُفردة في مكانها الملائم من العبارة فكانَ صادقاً على مدى سبعين، بدءاً من الثريّا وشعر إلى النهار، ثقافةً وملاحقَ، فارتقى إلى مرتبة الأصالة، فلا هو هادنَ ولا هو ساومَ، فكان عنادُه رأسَ حربة، فحمى اللغة من هذرٍ وتطويلٍ، واكتفى بالإيجازِ واللمحِ، فاستقلَّ وحدَه في مجرى الحداثة، فُسحةً خضراء وافدة من حبره الأحمر، وعينيْن غائرتيْن، وحاجبيْن كثيفين، فصوّبَ وأومأَ إلى أُفقٍ أزرق غطّى سماءَ بيروت بالأمل المنشود، وها اليوم جهراً نتحسّر يا ليتَ أيّامَ الصِّبا راجعة، وما يدرينا، فلعلّه أصابَ قلبَ المُنى بسهمه الحادّ، ومهما يكنْ فقولُه كان رقيقاً كما كان لطفهُ على القلب خفيفاً.
كانَ يستقبلُنا في الأشرفيّة وفي بيت شباب وبيده كتاب، وإذا جلسْنا إليه حدّق في البعيد ثمّ نظرَ في الكتاب وإذا قُمنا إلى عشاء، أعدّته لنا عقيلته حلوة، رافقه الكتاب فأدركْنا أنّه منشغلٌ عنّا بالحرف، وكان آخر ما نطقَ به لحظةَ هجعة الرقاد «عليّ بقلم» فأمسكَ به قبل أن تفيضَ روحه إلى سدرة المُنتهى، هو الذي حدّد مسار الجديد بالقياس إلى القديم إذ قال لنا يوماً: «أحمد شوقي مُجدّدٌ في نصّ الشِّعر العربي التقليدي، قياساً إلى التراث، فيما سعيد عقل مجدّدٌ في هذا التراث قياساً إلى الحداثة»، فلا والله ما سقط من عيني في تلك اللحظة الهنيّة إلّا قاموس النظريّة الأدبيّة بكامل أجزائه، وأدركتُ ساعتئذٍ أنّ البساطة في النقد لهي في آن غورٌ في الأخذِ بأن المعنى يرتاح متى أتمّ اللفظُ مُرادَه.
هو شوقي نفسه الخارج من عباءة التراث بأجمل حلّةٍ سندسيّة من التجديد فأضراسُه كانت طاحونةً لغويّة منذ صباه في حكمةِ الأشرفيّة، طالباً للأخوين فيليب وحسيب عبد الساتر وفؤاد كنعان وبطرس البستاني، الثالث، فخرجَ منها وبيده البكالوريا مُقرّاً بأنّ نماذج القراءة والأدب في المنهاج الرسمي كافيةٌ لشحذِ الموهبة بما انتقاه من نماذج نثريّة وشعريّة، فشغفَه أبو تمّام في قوله «السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتب»، فللممارسة السبَق، منطقيّاً، في صوغ النظريّة، وبالتالي لا فكاك بينهما، زمنيّاً.
هكذا غادرَنا شوقي وبيده قلمٌ وإلى جانب سريره في المستشفى على طاولة بيضاء كتابٌ، مُخلصاً لحرفتِه، مُجدّداً في عبارته، فقفزَ من الجبل إلى المدينة قامةً مديدة في سجلّ العربيّة، ألقتْ بظلالها فأطلقَ مدرسةً ترفعُ بيرقَه، هو المؤنسُ والممتعُ والغرائبيُّ والفريدُ النادرُ قطعُه.
ذاتَ ليلةٍ قمريّة على عشاء عنده، نكهته زغرتاويّة إهدنيّة، كما أناقة حلوة، في بيت شباب، على مطلّ من بكفيّا، جالَ بين ضيوفه، وهم كثرٌ، باشّاً مرحّباً، وبين أصابعه مسبحةٌ يكرّ حبّاتها بهدوء، وفجأة وقف ناظراً إلى القمر المضيء علينا، وكان اكتملَ بدراً، التفتَ إلينا وقال «هل انتبهتم إلى أنّ الأجرام السماويّة كرويّة» وصمتَ، فانتبهنا، وكان ذلك كلَّ ما قاله في تلك السهرة العلوية، وقال أحدنا ونحن عائدون إلى بيروت: «هل انتبهتم إلى أنّ شوقي لم يذقْ العشاء، بل التهم صحنَ كنافة أعدّته حلوة»، فصمتْنا. فأدركنا حينئذ انّه وافدٌ من ملتقى الريف بالمدنيّة، ومن هنا نفضَ عن أدبه ميتافيزيق الوجود، فَلِسُنبلة القمح ناميةً عنده شعاع الشمس مُنبثقاً، إذ وحّد بين حدّي الكون، وغرّدَ خارجَ سربِه، فوقفَ وحدَه صاعداً إلى أعلى مراتب السُّوريالية، شرقيّ السويس وغربه، نسيجَ وحده في غرابةٍ مُطلقة وغربةٍ أبديّة حالمة، مُطعِّماً الموروثَ بروح العصر، وهو هنا هو نفسه يومَ أرسلتُ إليه بالبريد من المهجر قصيدةً منذ خمسين، دون سابق معرفة به، فزيّن بها صفحة الثقافة في النهار وعنونَها «غزل مرّ»، فكانت سلوتي في غربتي وفاتحة حرفتي في بيروت فأفسحَ لي لخمسين، ولمّا يزلْ، فهيهاتِ أن ينقطعَ حبلُ الأبد من المودّة والإخاء على منحنى سفح الأدب؛ وحين عدتُ من الغربة وأنا ابنُ خمسةٍ وعشرين طرقتُ بابَ مكتبه في النهار، بادرَني «أهذا فقط أنت» أجبتُ «هذا أنا فقط»، وها اليوم وأنا عند الخامسة والسبعين أقرُّ بفضله عليّ على مدى خمسين، هو الذي أدخلَني إلى ثقافة بيروت، إلى ما هو أنا، إلى بيروت مسرح الصراح الفكري في بلاد الشام، هو هو شوقي نفسه أعادني في غيابه إلى أبيات أحبَّها لحبيب بين أوس العطّار وكنيته أبو تمّام:
أعوامُ وصلٍ، كان يُنسي طولَها
ذكرُ النّوى، فكأنّها أيّامُ
ثمّ انبرتْ أيّامُ هجرٍ، أردفَت
نحوي أسىً، فكأنّها أعوامُ
ثمّ انقضتْ تلك السنونُ، وأهلُها،
فكأنّها، وكأنهم أحلامُ
حتّى ينام الراقدون نتسامر نحن والفرقد والشمعة إبنة الأرض في 650 صفحة من القطع الكبير قدّم له الأستاذ سليمان بختي وصدر الآن (2025) عن دارة نلسن بمشاركة مؤسّسة أنور سلمان الثقافية، وقال الأستاذ بختي في مقدّمته إلى أن أبي شقرا جَمع مقالاتِه ها هنا مثل زهور الحقل ليقول كلمة طيّبة في علَم، أو مُبدع أو فنّان أو صديق له رحل، وأشار إلى أنّ شوقي نفسه ترك في كتابه هذا في اعتراف له:
ويسرّني انني حكيتُ ورويتُ
ولم أتوارَ ولم أُمزّق الورقة أو
الستارة. وانني قبّعتان، شعر
وصحافة، وانني لبثتُ ثناء وبرعماً
في الجلوس المتفوِّق والعالق في علّيقة
البراري ولبثتُ على حميا صباي وعلى
نظرتي الواضحة والدقيقة إلى حيث
السياج وإلى نفحات الأسوار والمرتفعات،
إلى جدار التحدّي إلى غزارة الجوّ،
إلى سياجي وحديقتي وطرائفي ورؤاي،
إلى حيث أبوحُ من أنا وحيث أنا في الطرب
أمام أنتم
فكانَ بوحُه وكان اعترافُه وكان وفاؤه، فسطّر رؤى، فإذا هي هي نفسُه عن صحبه ورفاقه ومعلّميه، من مارون عبّود إلى أمين نخلة إلى سعيد عقل إلى يوسف الخال وأُنسي الحاج وأدونيس ومحمود درويش وخليل حاوي ومنى سابا رحّال وعبد الوهاب البيّاتي وإدمون رزق وتوفيق صايغ ومحمد الماغوط وأنيس فريحة وفؤاد كنعان وجبرا ابراهيم جبرا ومحمد يوسف حمّود، إلى العشرات من جماعة الحداثة والكلاسيّكية، إضافة إلى قصائد له جديدة بثّها في تلافيف هذا السِّفر الأثر قاموسَ الحداثة بلا منازع وهنا سرُّ شوقي في صحبه وهنا سرُّ صحبه فيه، هو الذي أفسح أيضاً لشعراء فلسطين وسورية والعراق، فيمن أفسح لهم، سيّما للصعاليك والمشرّدين والمُفلسين، فخصّص لهم ميزانيّة تُصرفُ لهم شهرياً، فجلسوا في مقاهي الرصيف في الحمرا يدخّنون ويحتسون القهوة ويسكرون، مهدّدين بإسقاط الأنظمة وأصدروا من حيّ الجامعة العربية مجلّة سمّوها رصيف إلى أن كان اجتياح 1982 فانهار الرصيف على أهله ثم غادرَه من بقي حيّاً بحراً نحو شتات جديد، فما ان استقرّوا في تونس حتّى أقرّوا بفضل شوقي، وهل جزاء الأناقة إلّا العرفان وهل يُفتى وشوقي خرجَ من المدينة؟ وحتى كبيرهم محمود درويش أقرَ بفضل بيروت على أهله، كما علينا أجمعين، وغنّاها مرسيل خليفة، لحناً رقيقاً يشوبُه حزن الفراق:
بيروت خيمتُنا بيروت نجمتُنا
بيروت تفّاحة والقلبُ لا يضحكْ
وحصارُنا واحة في عالم يهلكْ
سنرقّص الساحة ونزوّج الليلكْ
بيروت للمطلقْ
محمود شريح


