الروابط الإنسانية

الروابط المجتمعية، يحكمها القانون، أما الروابط الإنسانية، فيحكمها الارتقاء، فعلى الرغم من أن الاحتكام للقوانين ينظم العلاقات البشرية بالقوة المخصصة لهذا التنظيم كما هي واردة في العقد الحقوقي الاجتماعي، إلا أن نتائج هذا التنظيم تصب في صالح تنظيم الروابط الإنسانية، إلا أنه يبقى محدوداً، بوصفه حالة معرفية دنيا بالنسبة للقيم المرتقية، المعبرة عن محاولات تسديد الحاجات الإنسانية المرتبطة بالقيم العليا للبشري، فهنا فارق كبير بين تجريم الطائفية أو الكراهية قانوناً، وبين المبادرة الفردية والجماعية لرفضهما طواعية، على الرغم من أن القانون يضع العربة على السكة تربوياً، ودفعها باتجاه مستويات أعلى من الرقي والتحضر، الذي لن يحصل أو يتحقق إلا بممارسات تربط الاجتماع البشري ببعضه على أسس قيمية عليا، يحاول بنو البشر مقاربتها، وعلى هذا السعي، يتم تطوير القوانين للحصول على أكبر قدر ممكن من تحسين للعيش البشري، فمحاولات تحويل الحمل إلى ذئب في مواجهة ذئاب، بائت بالانحطاط، المتعاكس مع الارتقاء، والذي يقارب القيم الدنيا للبشر، والعيش فيها، وعليه تبدو المفارقة الكاسرة للظهر، فالاجتماعات البشرية غير القادرة على التحضر، هي اجتماعات بشرية غير قابلة له، وعليها مواجهة مصائرها الذميمة، وفي مثالنا عن الطائفية أو الكراهية، يتضمن هذا الأداء الهدام، ويتبدى في أداءات مفرزات هذه الاجتماعات البشرية ، في بلاد الهجرة واللجوء، حيث تعطي مثالاً واضحاً عن الارتقاء العكسي للروابط الإنسانية.

لا تقوم الروابط الإنسانية المرتقية إيجابياً، إلا بالارتكاز على المعرفة، كمؤسس للحياة، بوصفها تعاون بشري في الإنتاج والاستهلاك، وعليه تبدو المساواة بين البشر عامل مؤسس لا رجعة فيه ولا استثناء، مهما كانت القاعدة المعلوماتية جاهزة للتبرير وسد الذرائع، فالعلم الذي لا يتحول إلى معرفة مفيدة للبشرية، هو سم زعاف لها، يقضي على الروابط الإنسانية من قبل التأسيس لها، والطائفية مثال عملي لها، فجميع التجارب الطائفية المدعومة معلوماتياً، جميعها على الإطلاق، تحولت إلى كوارث، ومع هذا تمدد المعلومات ( العلم) من صلاحية الطائفية (وأمثالها)، وتدعمها في انعطاف قسري قبل التحول إلى معرفة، عكس الطائفية تماماً هي المساواة، التي لا يختلف فيها إتنان، إلا إذا كان أحدهما همجي، فهي العامل الحاسم في بناء أية منظومة أخلاقية ( معرفياً)، تكون قوام الاجتماع البشري ( مجتمعاً كان أو أقل من ذلك)، وأقل انحراف عن هدف المساواة، هو خلخلة، جاهلة أو مقصودة، لسيرورة الرقي المطلوبة، فما يجره أي سلوك ولو بسيط خارج المساواة، ويتم تبنيه سلطوياً، سيجر الاجتماع البشري إلى ويلات الانحطاط، وأولها سيلان الدم على الأرض، لذلك لا جدوى من النقيق والشكوى من الاستضعاف والمؤامرات وإتهام الآخرين، فدود الخل منه وفيه، ولا جدى إذا لم يتم مراجعة الأسس التي قام عليها هذا الاجتماع الأعرج، وتصويبها بعلانية ووضوح، بوضع المساواة في صلب العقد الاجتماعي، الذي سوف تنبثق من ممارسته الروابط الإنسانية الخيرة، في ممارسة واضحة وعلنية ضد الشر، الذي لا تعريف له سوى الويل والانهزام والفاقة وهزال المكانة، والذي ينتج عنه (كأمثلة) فقدان الكهرباء والماء وقيمة العملة وفساد الخدمات وانعدام الأمان، إذ لا يمكن تجاوز المساواة كفاعل معاكس لكل هذه الرزايا.

دون مساواة، هناك إنعدام للكرامة الإنسانية، وهي جوهر الروابط الإنسانية، فالفقر والفاقة (كأمثلة)، هما ممارسة المهانة الإنسانية، المنتجة للتهمج، وعكسهما هو محاولة التحضر والارتقاء، الذي يتمثل بعلاقات إنسانية راقية، ما يعني تكبير إنتاجيتها، لجعل الفرص متاحة للمزيد من الكرامة الإنسانية، عبر ضبط مسببات الاستبداد والتسلط ومنتجاتهما، من التغول والاعتداء على الحقوق الأولية للكائن البشري، الذي لا يمكن تصنيفه كبشري إلا إذا كانت كرامته هي جزء من تكوينه (هذا ما فهمناه من عبد الرحمن الكواكبي على الأقل) عبر كسر دائرة الاستبداد، ومنع تكراره، بالاستناد إلى الكرامة البشرية كحق أصلي يمكن توظيفه واستثماره عبر الروابط الإنسانية، لمقاومة، وأيضاً لتجاوز الويل والهزائم.

الروابط الإنسانية ( وهي معروفة وعلنية في كل ثقافة إنسانية) ليست مجرد فعل خيري، مرهون بالتطوع والتبرع، إنها فعل موضوعي، متسق مع الفطرة البشرية التي تسعى إلى السعادة، فطرة مرتقية، تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أعلى، دون تمجديد أو أمجاد، فهذه استثناءات تكريمية عابرة، ولكن الفعل الحقيقي للروابط الإنسانية فهو في «المجتمع»، وأي تعبير أو إعلان عن صلاحية روابط التهمج لضبط السياق الاجتماعي، هو هزيمة ذاتية مهما كان إعلان النوايا حسناً، وكل شعار لا يأخذ بعين الاعتبار الروابط الإنسانية تأسيسياً، هو إعلان عن مجازر قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *