لم يعد السؤال السوري اليوم محصوراً في موازين القوة أو خرائط السيطرة، بل في مصير الدولة ذاتها: هل تبقى إطاراً سيادياً جامعاً قادراً على إنتاج سياسة، أم تتحوّل إلى ساحة تُدار فيها التناقضات من الخارج؟ إن تفكك البنية الوطنية السورية خلال العقد الماضي لم يؤدِّ فقط إلى انفجار داخلي متعدد المستويات، بل أعاد صياغة علاقة سوريا بالإقليم، وعلى رأسه الصراع مع إسرائيل.
أولاً: من الدولة إلى الساحة ـ تفكك السيادة كشرط للهدن
لم يكن انهيار حضور الدولة المركزية في سوريا حدثاً إدارياً فحسب، بل تحوّلاً بنيوياً أصاب وظيفة الدولة السياسية. فحين تتآكل القدرة على احتكار العنف المشروع، وتُستبدل الشرعية بالقوة، تنتقل السياسة من كونها قراراً سيادياً إلى كونها إدارة مخاطر. في هذا السياق، لا تُنتج الدولة تسويات، بل تُفرض عليها ترتيبات.
إن تفكك السيادة أفضى إلى ثلاث تحوّلات مترابطة: (1) تشظّي القرار الوطني بين سلطات أمر واقع، (2) تدويل الميدان عبر تدخلات متعددة الأجندات، و(3) إعادة تعريف الصراع الخارجي بوصفه ملفاً أمنياً قابلاً للضبط. وبذلك، أصبحت الهدن تُطرح في لحظات الضعف المؤسسي لا في لحظات توازن القوة، ما يحوّلها إلى آليات تجميد بدل كونها جسور عبور نحو تسوية عادلة.
ثانياً: الطائفية المسلحة ـ من أداة تعبئة إلى بنية سلطة
لم تعد الطائفية في السياق السوري خطاباً تعبوياً ظرفياً، بل بنية سلطة تمتلك سلاحاً واقتصاداً وشبكات حماية. ومع اتساع الحرب، تحوّلت الجماعات المسلّحة ذات المرجعيات الطائفية أو الإثنية إلى كيانات حكم محلي، لكل منها قانونها وحدودها غير المعلنة. هذه البنى لا تنتج دولة لأنها تقوم على الإقصاء، وتعيش على استدامة الصراع، وتحتاج إلى عدو دائم لتبرير وجودها.
الأخطر أن الطائفية المسلحة نزعت الطابع السياسي ـ القانوني عن الصراع مع إسرائيل، فاستُبدل خطاب الأرض والحقوق بخطاب الأمن والتهدئة. وحين يُدار الصراع بمنطق الطوائف والساحات، يصبح قابلاً للتدوير والتجزئة، وتغيب عنه معايير القانون الدولي لصالح ترتيبات أمنية مؤقتة.
ثالثاً: لماذا الآن؟ لحظة السيولة لا لحظة السلام
إن توقيت طرح مبادرة أميركية لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا يعكس سيولة إقليمية لا نضجاً تسووياً. فواشنطن، تاريخياً، تُفضّل إدارة الصراعات منخفضة الوتيرة حين تتعدد الجبهات وتتعاظم المخاطر. إن التسريب عبر مصادر غير مسمّاة ـ كما نقلته «رويترز» ـ ليس تفصيلاً شكلياً، بل أداة اختبار للنوايا وضبط لردود الفعل قبل أي التزام سياسي مُعلن.
الشرط السوري المتداول ـ الانسحاب إلى ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 ـ يعيد النقاش إلى جوهره: الأرض مقابل التهدئة. غير أن طرح الشرط في لحظة تفكك سيادي يطرح سؤال القدرة على فرضه، ويكشف حدود الممكن حين تُستبدل السياسة بإدارة الأزمات.
رابعاً: باريس منصة ضبط لا طاولة تسوية
إن إنشاء خلية اتصال مشتركة، أُعلن عنها بدعم أميركي وفي باريس، ينبغي قراءته بوصفه إجراء ضبط ميداني لا اختراقاً سياسياً. فالتنسيق الاستخباراتي وآليات خفض التصعيد تهدف إلى منع الانزلاق لا إلى حلّ النزاع. باريس هنا منصة اختبار لمسار تفاوضي غير مباشر، سقفه الأدنى الهدوء، لا العدالة.
خامساً: من السياسة إلى الاقتصاد ـ استبدال السيادة بالاستثمار
تُعدّ التسريبات حول إنشاء منطقة اقتصادية منزوعة السلاح على جانبي الحدود أخطر عناصر المبادرة. فهنا لا يجري تجاوز السياسة فحسب، بل إعادة تعريف الصراع: الاستثمار بدل الانسحاب، والسياحة بدل الحقوق، والتنمية المشروطة بدل السيادة. إن تحويل المناطق المتنازع عليها إلى مساحات اقتصادية بتمويل إقليمي ورعاية دولية يُجمّد النزاع ويُربّحه، دون حسم قانوني.
هذا المنطق ـ الاقتصاد بدل السياسة ـ لا يصنع سلاماً مستداماً، بل يخلق سلاماً هشاً قائماً على موازين القوة والربحية، وقابلاً للانفجار عند أول اختلال.
سادساً: تل أبيب والحوار المشروط ـ أمن يتقدّم وحقوق تُؤجَّل
إعلان إسرائيل استئناف الحوار بدعم أميركي، مقروناً بأولوية «الأمن» وحماية الأقليات، يحمل أبعاداً تتجاوز الإنساني. فإدخال ملف الأقليات في صلب التفاوض يفتح الباب أمام تسييس الحماية وتوسيع دوائر النفوذ. وحين يُناقَش أمن المكوّنات عبر قنوات خارجية، يتآكل العقد الوطني وتضعف شرعية الدولة.
سابعاً: نتائج التفكك ـ خلط أوراق الصراع السوري ـ الإسرائيلي
أفضى التفكك الداخلي إلى خلط أوراق الصراع على ثلاثة مستويات: (1) تحويله إلى ملف أمني قابل للإدارة، (2) فصل الاقتصاد عن السيادة، و(3) إزاحة القانون الدولي لصالح ترتيبات مؤقتة. والنتيجة هدنة بلا ضمانات، وحوار بلا سقف، واقتصاد بلا حقوق.
ثامناً: بين الهدنة والتسوية ـ ما الذي يمنع التحوّل؟
الهدن تُصنع في لحظات الضعف، أما التسويات فتحتاج دولة. من دون استعادة الاحتكار المشروع للعنف، وإعادة بناء عقد وطني جامع، وربط أي تهدئة بمسار حقوقي واضح، ستبقى الهدن مؤقتة وقابلة للخرق. إن تحويل التهدئة إلى تسوية يتطلب سياسة لا إدارة أزمات.
تاسعاً: خارطة الإنقاذ الوطني كنقيض بنيوي لمنطق الهدن
في مقابل منطق الهدن الأمنية التي تُدار من الخارج وتقوم على تجميد الصراع بدل حله، تبرز «خارطة الإنقاذ الوطني» بوصفها محاولة سورية داخلية لإعادة السياسة إلى يد المجتمع، والدولة إلى معناها السيادي. فهذه الخارطة لا تنطلق من سؤال: كيف نُخفّض مستوى العنف؟ بل من سؤال أكثر جذرية: كيف نعيد تأسيس الدولة كي لا يصبح العنف قدراً دائماً؟
عاشراً: من الطائفية المسلحة إلى المواطنة ـ استعادة السياسة من السلاح
تؤكد خارطة الإنقاذ أن الطائفية ليست قدراً ثقافياً، بل نتيجة مباشرة لانهيار الدولة واعتماد المقاربات الأمنية الإقصائية. ومن خلال رفضها الصريح لتسييس الدين والطائفة والإثنية، تُعيد الوثيقة الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية بوصفه الأساس الوحيد القادر على تفكيك بنى الاحتراب الداخلي.
إن نقل الصراع من مستوى الهويات المغلقة إلى مستوى الحقوق المتساوية يعني نزع الشرعية عن كل سلاح خارج الدولة، وإعادة تعريف «الأمن» باعتباره وظيفة عامة لا امتيازاً فصائلياً. بهذا المعنى، تشكّل الخارطة انقلاباً على منطق إدارة الصراع، لأنها تربط الاستقرار بإعادة بناء الشرعية، لا بتوازن الرعب.
حادي عشر: العدالة الانتقالية كشرط للسلام لا كترف مؤجل
أحد أخطر وجوه إدارة الصراع في سوريا كان تعطيل العدالة باسم الواقعية السياسية. خارطة الإنقاذ تقطع مع هذا المنطق، وتضع العدالة الانتقالية في صلب المسار التأسيسي، باعتبارها شرطاً للمصالحة لا عائقاً لها. فغياب المحاسبة لا ينتج استقراراً، بل يراكم الغضب ويُعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة.
إن ربط العدالة باستعادة الثقة بين المجتمع والدولة يعيد تعريف السلام بوصفه عملية سياسية ـ أخلاقية طويلة، لا صفقة أمنية سريعة. وهذا ما يجعل الخارطة نقيضاً مباشراً لأي مبادرة تهدئة لا تتضمن مساراً واضحاً للإنصاف والمساءلة.
ثاني عشر: استعادة السيادة وإعادة ترتيب العلاقة مع الخارج
في الوقت الذي تفصل فيه المبادرات الأميركية بين الاقتصاد والسيادة، تؤكد خارطة الإنقاذ أن أي دعم عربي أو دولي لا يكون مشروعاً إلا بقدر احترامه لإرادة السوريين واستقلال قرارهم. فالتدخل الخارجي، حين يُفصل عن مرجعية وطنية جامعة، يتحول من دعم إلى وصاية.
وتطرح الوثيقة تصوراً تدريجياً لاستعادة المؤسسات والمعابر والقرار الأمني من كل أشكال الاحتلال أو الوصاية، ضمن جدول سيادي واضح، ما يعيد الصراع الخارجي ـ بما فيه الصراع مع إسرائيل ـ إلى إطاره القانوني الطبيعي: صراع دولة ذات سيادة، لا ساحة مفتوحة للتجاذبات.
ثالث عشر: لماذا تفشل الهدن وتملك المشاريع الوطنية فرصة النجاة؟
تفشل الهدن لأنها تُبنى على موازين قوة متحركة، لا على شرعية مستقرة. أما المشاريع الوطنية، فرغم هشاشتها الأولية، فتمتلك إمكانية التحول إلى واقع لأنها تُخاطب الجذور لا الأعراض. إن خارطة الإنقاذ، بكل ما يحيط بها من تحديات، تمثل محاولة لكسر حلقة: عنف ـ هدنة ـ عنف، عبر إعادة تأسيس السياسة نفسها.
خاتمة: الدولة أولاً… وإلا فلا سلام
إن ما يُطرح اليوم من مبادرات تهدئة ليس دليل قوة، بل علامة على عمق المأزق. فحين تُستبدل السيادة بالترتيبات، والحقوق بالمشاريع، والسياسة بالأمن، يصبح السلام وهماً مؤقتاً. الطريق الوحيد القابل للحياة يمر عبر الدولة: دولة المواطنة، والقانون، والقرار المستقل.
ليست سوريا بحاجة إلى هدنة جديدة، بل إلى ولادة سياسية جديدة. ولادة تعيد للسوريين حقهم في أن يكونوا شعباً لا ساحات، ومواطنين لا وقود صراعات. الدولة أولاً ـ وإلا سيبقى كل وقف نار مجرد استراحة قصيرة في حرب طويلة.

