الشام بعد 2025: هوية الحاكم أم طبيعة الدولة؟ الجيش، العقد الاجتماعي، وصراع المسارات – الحلقة الثانية

الاختلاف بين هذه السيناريوهات وجودي: هل تُدار القوة لمنع الانهيار، أم لتوزيع النفوذ، أم لبناء دولة؟

وكما في كل بلاد تخرج من الحرب وفيها بقايا ميليشيات منتصرة أو منهزمة، يبقى الحنين الى زمن الحرب وسيطرة الميليشيات والفصائل على مواقع ومحاور تابعة لها بالكامل، وزمن حرية الفوضى ومنطق السلاح والفرض، ولو على نطاق محلي ضيّق، أهم من التصميم على بناء دولة مؤسسات حديثة تحد من سلوكيات المتنفذين وقادة الفصائل والميليشيات. وهذه الثقافة تشكل بحد ذاتها عائقًا داخليا أمام بناء جيش وطني جامع.

ـ خامسًا: الخارج ومأزق إعادة بناء الجيش

وبرغم ذلك، لا يمكن فهم تعثّر إعادة بناء الجيش في الشام بوصفه فشلًا داخليًا فقط، أو نتيجة انقسام محلي عابر. فغياب الجيش الوطني بات، عمليًا، وظيفة سياسية داخل منظومة إقليمية–دولية اعتادت إدارة الشام عبر التفكيك المراقَب لا عبر الدولة السيادية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفراغ العسكري كخطر آني، بل كأداة ضبط تمنع قيام مركز قرار وطني مستقل.

قيام مجلس عسكري وطني لا يُعدّ ترتيبًا أمنيًا تقنيًا لضبط السلاح، بل تحوّلًا سياسيًا بنيويًا يعيد طرح أسئلة السيادة واحتكار القوة ووحدة القرار العسكري. وهو بذلك يهدّد منطق «الإدارة غير المباشرة» الذي يقوم على تعدّد الفاعلين، وتوزيع العنف، وربط كل مساحة نفوذ براعي خارجي أو بتوازن إقليمي هشّ. لهذا، يُقابل أي حديث جدي عن مجلس عسكري جامع بريبة واسعة، لا لأن الفكرة غير واقعية، بل لأنها واقعية أكثر مما ينبغي.

إقليميًا، تتقاطع الحسابات عند نقطة واحدة: القبول بالضعف لا بالقوة.

تركيا لا تعارض مبدأ الجيش، لكنها تفضّل قوة محدودة الوظيفة لا تعيد فرض سيادة كاملة، ولا سيما في الشمال حيث تتشابك اعتبارات الأمن واللاجئين والنفوذ المحلي.

«إسرائيل» ترى في أي جيش وطني موحّد ـ حتى لو كان دفاعيًا ومنضبطًا ـ خطرًا محتملًا على معادلة الردع القائمة، وتفضّل مركزًا ضعيفًا قابلًا للاحتواء.

إيران تعارض جوهريًا قيام مؤسسة عسكرية سيادية مستقلة، لأن نفوذها يقوم على الشبكات وتعدّد مراكز القوة لا على جيش وطني واحد.

أما بعض الدول العربية، فتتعامل ببراغماتية: قد تقبل بمجلس عسكري إذا ضُمنت هوية غير أيديولوجية للدولة، وفُتح باب الاستثمار، ولم يُعاد خلط التوازنات الإقليمية.

دوليًا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.

أوروبا تدعم، نظريًا، إصلاح القطاع الأمني وبناء جيش خاضع لسلطة مدنية، لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية المستقلة، ويبقى سقفها مرهونًا بالموقف الأميركي.

روسيا لا تفضّل الفراغ الكامل، لكنها تميل إلى نموذج مؤسسات قائمة وجيش موجود، لكن من دون استقلال استراتيجي كامل، بحيث يبقى القرار العسكري مضبوطًا باتفاقات نفوذ وتوازنات خارجية. من هذا المنطلق، لا تعارض موسكو مبدأ إعادة البناء، لكنها تتحفّظ على قيام مجلس عسكري وطني مستقل قد يحدّ من قدرتها على التأثير.

الولايات المتحدة تبقى الفاعل الأقوى حاليًا. استراتيجيتها الحالية تقوم على إدارة الوضع لا تغييره: منع الانهيار الشامل، تحجيم الخصوم، وعدم السماح بقيام دولة قوية غير مضمونة السلوك. في هذا الإطار، يتحوّل غياب الجيش الوطني من خلل مؤقت إلى أداة ضبط للسلطة.

وقد تعيد واشنطن النظر فقط إذا تزامنت أربعة شروط: استنفاد نموذج الشبكات، بروز مجلس عسكري منضبط وغير أيديولوجي، حدّ أدنى من التوافق الإقليمي (خصوصًا تركيًا وإسرائيليًا)، وربط هذا المجلس بمسار سياسي انتقالي واضح لا بحكم عسكري دائم.

ـ سادسًا: السنوات الثلاث الحاسمة

السنوات المقبلة ليست مرحلة انتظار أو إدارة وقت، بل مرحلة تثبيت مسار سيصعب التراجع عنه لاحقًا. ما سيُقرَّر فيها لن يكون تقنيًا أو إداريًا، بل بنيويًا: هل تتجه الشام نحو إعادة بناء دولة، أم نحو تكريس صيغة حكم مُدارة من الداخل ومضبوطة من الخارج؟

القاعدة باتت واضحة ولا تقبل التأويل:

لا دولة من دون جيش وطني محترف ولا جيش وطني قابل للحياة من دون عقد مواطنة جامع ولا دعم دولي ذي معنى من دون إصلاح أمني وقضائي قابل للقياس.

غير أن الخطر الأكبر في هذه المرحلة ليس الفشل في الإصلاح، بل نجاح إصلاحات جزئية: أمن مضبوط بلا سيادة، لامركزية بلا عقد وطني، إعادة إعمار بلا قرار سياسي جامع. مثل هذه المسارات قد تُنتج استقرارًا شكليًا، لكنها في العمق تحوّل الإصلاح نفسه إلى بوابة نفوذ خارجي، وتُكرّس تفككًا ناعمًا طويل الأمد يصعب كسره لاحقًا.

من هنا، بات الاختيار أكثر حدّة من أي وقت مضى:

ـ  إما إدارة الخوف والتوازنات والشبكات والمصالح، بما يعني استقرارًا هشًّا محكومًا بالضبط الخارجي، (السيناريو الأول، مع إمكانية الانزلاق الى السيناريو الثاني)

ـ  وإمّا الاستثمار في دولة بطيئة البناء، عالية الكلفة سياسيًا، لكنها الوحيدة القادرة على امتلاك قرارها وبناء شرعيتها من الداخل. (السيناريو الثالث)

في الختام

تاريخ الشام الحديث ليس تاريخ صراع على السلطة بقدر ما هو تاريخ تعثّر في بناء الدولة. فالسلطة يمكن أن تُفرض بالقوة، وتُدار بالخوف، وتستند إلى الشبكات، لكنها تظلّ حالة سيطرة مؤقتة. أمّا الدولة، فهي مسار لتحويل القوة إلى مؤسسة، والطاعة إلى حق، والانتماء إلى عقد مواطنة.

في هذا السياق، لا يكون الجيش مجرّد أداة أمنية، بل التعبير الأوضح عن طبيعة الحكم نفسها. فحين يتحوّل إلى ذراع فئوية أو شبكية، تنكمش الدولة إلى سلطة. وحين يُعاد بناؤه كقوة وطنية خاضعة للقانون، يصبح شرط قيام الدولة لا أداة حكمها.

المأزق السوري اليوم ليس تقنيًا ولا مرحليًا، بل يرتبط بجوهر الشرعية، وبحدود السيادة، وبكيفية انتظام المجتمع سياسيًا. وما لم يُحسم هذا الجوهر، ستبقى الشام تنتقل من سلطة إلى أخرى، فيما الدولة مؤجَّلة أو منقوصة أو غائبة.

في خضمّ هذا التعقيد، لا يجوز أن تنحرف بوصلة النضال الوطني ـ مهما اشتدّ الضغط الخارجي وتعاظم التفكك الداخلي ـ نحو الاكتفاء باستبدال حاكم بحاكم، أو سلطة بسلطة. فالتجربة السورية أثبتت أن القوى التي هادنت الفساد ومنطق السلطة في السابق، أو خفّضت سقف مطالبها باسم «الواقعية» أو «الاستقرار» أو «المواجهة»، كانت شريكة، بقصد أو بغير قصد، في صناعة الانهيار.

وبعد ما جرى، لم يعد مقبولًا تخفيض سقف النضال القومي والوطني إلى ما دون الضغط من أجل بناء دولة حديثة لم تولد بعد: دولة بجيش وطني محترف، وعقد مواطنة جامع، ومجتمع متماسك، لا دولة امتيازات وحظوة، ولا سلطة تستمدّ بقائها من الخوف أو من الاستقرار الهشّ. فالمعركة اليوم ليست على موقع في السلطة، بل على معنى الدولة نفسها.

وكل ما دون ذلك يبقى نضالًا ناقصًا يعيد إنتاج الهزيمة بصيغة جديدة. فالمطلوب ليس مجرد تغيير الحاكم، بل هو تغيير المنطق: من منطق السلطة المستأثرة إلى منطق الدولة العادلة الجامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *