بين «قسد» ودمشق… حوار «اللامركزية» مستمر

تواجه سوريا منذ سقوط نظام البعث في ديسمبر/ كانون الأول 2024، تحديات مستمرة في إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، ولعل أبرز التحديات دخول الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مرحلة مفصلية، بهدف الوصول إلى تسوية حول اندماج قوات «قسد» في الجيش السوري الجديد المكون أساسًا من مجموعات أصولية غير متجانسة وغريبة، في وقت تشهد المنطقة مرحلة حاسمة، في ظل ظرف إقليمي ودولي حساس يضع استقرار سوريا على رأس الأولويات.

في ضوء ذلك لم يسفر الاجتماع الأخير بين دمشق وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، عن نتائج ملموسة من شأنها التسريع في تنفيذ الاتفاق على الأرض، وقد عكس المشهد الحالي تناقضًا واضحًا بين التصريحات والوقائع، حيث بات الحديث عن اتفاق نهائي سابق لأوانه، في ضوء الاشتباكات الأخيرة على خطوط التماس التي تفصل مناطق سيطرة القوات الحكومية مع «قسد» في حلب. واللافت أن التوتر الميداني هذا جاء عشية الاجتماع بين قائد «قسد»، مظلوم عبدي والحكومة السورية في دمشق، لبحث عملية دمج مقاتليه في صفوف الجيش السوري.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع استمرار التهديدات التركية ورفض أنقرة أي تقارب بين دمشق و«قسد»، معتبرة الوجود «الكردي» الأيديولوجي في شمال شرق سوريا ما هو إلا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وطالب وزير الدفاع التركي «يشارغولر» جميع الفصائل الكردية المسلحة بتسليم سلاحها «بما يشمل سوريا»، ويذكر أن أنقرة كانت قد شنّت هجمات عدة بين العامين 2016 و2019 ضد قوات «قسد».

 في الاثناء تحاول واشنطن إحداث نوع من التوافق بين «قسد» ودمشق، وهي مارست ضغوطًا على قسد، لكن هذه الضغوط لم تحقق استجابة فعلية. فواشطن تريد دولة سورية قوية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التفريط بـ«قسد» التي تعد ورقة مهمة والتي انتهت المهلة الممنوحة لها للاندماج في الحكومة السورية الموقعة في 10 آذار 2025.

ولعل الخلاف الجوهري بين دمشق و«قسد» بحسب «فوزة يوسف»، الرئيسة المشتركة لهيئة تفاوض الإدارة الذاتية، يكمن في نظام الحكم اللامركزي في سوريا، الذي تطالب به الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، والذي يتم رفضه باستمرار من قبل حكومة دمشق. وتابعت يوسف قائلة: «سوريا اليوم بحاجة إلى نظام ديمقراطي يأخذ التنوع الإثني والثقافي والديني في الاعتبار، ويتمثل ذلك في اللامركزية». في حين يشير غريغوري أفتانديليان، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن: أن «مظلوم عبدي» رأى في بطء تنفيذ اتفاق مارس/آذار خطوةً حذرة بعد أن شهدت سوريا حوادث عنف طائفي واسعة النطاق بحق «العلويين» في اللاذقية، ولاحقًا بحق «الدروز» في السويداء». ولعل التهديدات المجتمعية والتحركات العشائرية، إضافة إلى المناوشات في شمال حلب، أسهمت جميعها في تراجع فرص الاتفاق أو بناء الثقة بين الأطراف.

خلفية التصعيد تعود إلى فشل تطبيق اتفاق دمج القوى الكردية في الجيش السوري، وهو الاتفاق الذي وقّعه قائد قسد مظلوم عبدي مع الرئيس السوري أحمد الشرع في مارس الماضي.

اتفاق آذار

خلفية التصعيد الأخير في حلب تعود إلى فشل تطبيق اتفاق دمج القوى الكردية في الجيش السوري. والاتفاق نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في مؤسسات الدولة السورية قبل نهاية العام، إلا أن خلافات جوهرية عطّلت التنفيذ.

وكان اتفاق العاشر من مارس/آذار الماضي 2025 بين دمشق و«قسد» برعاية أميركية قد نص على البنود التالية:

1- ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة، بناءً على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.

2- المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.

3- وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.

4- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.

5- ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم وتأمين حمايتهم من الدولة السورية.

6- دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.

7- رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري.

8 – تعمل وتسعى اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي (2025).

خلافات أيديولوجية

وفي هذا الإطار برزت خلال الحوار بين دمشق و«قسد»، خلافات أيديولوجية وإشكاليات عسكرية بين قسد ودمشق، ولعلّ أبرزها مسألة ضمّ ما لا يقل عن 20 ألفًا من «وحدات حماية المرأة» التي تقاتل في صفوف «قسد» إلى الجسم العسكري وهو ما ترفضه كليًا دمشق، في حين تطالب الحكومة السورية بملف النفط شرق الفرات، فاستعادة السيطرة على موارد الطاقة تعني تعزيز الاستقرار المالي عبر تقليص الاعتماد على المانحين، وتحسين القدرة على توليد الكهرباء من الغاز المحلي بدل الاستيراد المكلف سياسيًا وماليًا، إضافة إلى تفكيك جزء مهم من اقتصاد الحرب القائم على التهريب.

يذكر أن قوات «قسد» تسيطر على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز ما يجعل العلاقة بين الجانبين تتأرجح بين فرص التفاؤل وهاجس المواجهة وقد أظهرت تصريحات متباينة من«قسد» ودمشق حجم التعثر، فالتفاهم بين الجانبين بات يعتمد على معيار الثقة المقرونة بالأفعال.

شكل استمرار المفاوضات بين دمشق و«قسد» اختبارًا حاسمًا لمستقبل الدولة السورية، وهذا ما يفسّر الضغط الإقليمي والدولي على طبيعة المفاوضات، ونتائجها، ويتجاوز الجدل الجانب العسكري ليشمل أبعادًا سياسية ودستورية واسعة، تتعلق بالمركزية مقابل اللامركزية. علمًا أن العلاقة بين «قسد» ودمشق يفترض أن يكون أساسها الحوار المستمر والقابلية للتوصل إلى تسوية تندرج تحت إطار الهوية الوطنية الجامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *