لطالما شكلت الكتل السكانية الكبرى مركز الثقل في مسار التاريخ،
من الإمبراطوريات الكبرى إلى الدول القومية في أوروبا، كانت الحاجة إلى جيوش ضخمة عدديا، وإلى سواعد منتجة في الزراعة أو الصناعة، تدفع تلك الدول خارج حدودها، وترافقت في العصور الحديثة مع التشجيع على زيادة عدد الولادات.
اكتسبت هذه الظاهرة ذروتها مع ألمانيا النازية، ومع دول المعسكر الاشتراكي، باستثناء الصين الماوية.
ولم يقلل تطور التكنولوجيا العسكرية من أهمية العامل البشري، ويكفي أن نتابع مجريات الحرب في أوكرانيا لنتأكد من ذلك.
نادرا ما نجحت الدول الصغيرة عدديا في الانتقال إلى معسكر الدول الكبرى.
وهكذا جاء انفجار حجم الثروات والناتج القومي في الخليج العربي ليبرز أهمية هذه المقولة، حيث تحاول دول صغيرة ذات ثروة هائلة بفعل طفرة البترول، الانتقال إلى لعب دور إقليمي قد يتناسب مع حجم ثرواتها الوليدة، ولكنه لا يتناسب مع حجمها الديمغرافي الصغير.
إمارة قطر التي لا يتجاوز عدد سكانها مئات الآلاف (ترفض السلطات إعطاء رقم محدد لإعداد السكان)، حاولت جاهدة التعويض عن هذا النقص عبر رعاية تيار الإخوان المسلمين ذي الامتداد العالمي، فأسهمت في تمويله وتسليحه من سورية إلى غزة إلى مصر، لكن الأمور انتهت إلى سيطرة تركيا على دمشق، مع ملامح لصعود دور سعودي وليد، والإطاحة بمرسي في القاهرة بدعم سعودي أيضأ وأيضا، وتمدد تركي في أفريقيا على حساب الدور القطري.
ينطبق الأمر نفسه على الإمارات القابعة على مخزون نفطي ومالي هائلين، ولا يتجاوز عدد مواطنيها المليون ونيف، وها هي اليوم تستند إلى دعم مباشر من الكيان الصهيوني لتحاول لعب دور إقليمي يبدأ في الخليج والبحر الأحمر ولا ينتهي في السودان والصومال.
وجدت إمارة آل زايد ضالتها في اليمن، الذي يتجاوز عدد سكانه الأربعين مليون نسمة، لتحاول اليوم الاتكاء على الحنين إلى دولة الجنوب اليمني للعب دور في تفكيك اليمن والسيطرة على الجزء الأغنى منه، وربما تحضيره لاحقا للعب دور يتجاوز حدوده، متكئة على عمقه البشري وعلى أموال النفط.
ولكن مرة جديدة تصطدم الدول الصغيرة بحقيقة الديمغرافيا، فتدخل السعودية دون مواربة، وتفرض عليها التراجع والخروج الذليل من الساحة.
طبعا اللعبة لم تنته بعد، ولا يجب التقليل من دور الموساد في المعركة، ولكن كل ما ورد يعني أن التاريخ ما زال يتعامل مع الصغار تبعا لأحجامهم، وليس وفقأ لأحلام اليقظة لديهم.
أخيرا يجب الالتفات إلى طريقة تعامل الكيان الغاضب مع هذه المسألة، ولكن هذا بحث آخر.

