منذ القرن التاسع عشر، عمل العدو اليهودي على تشييد عصبية صهيونية وحشية، جعل منها أداة للاستيلاء على الوطن السوري وسحق الشعب السوري، متكئاً على تخيّلات وهمية تدّعي أن هذه الأرض وطنٌ وهبه الله لهم. وعلى قاعدة هذه الأوهام، عُقدت المؤتمرات، وشُيّدت على الروايات التوراتية عصبية يهودية منظّمة، أُطلق عليها اسم الحركة الصهيونية، فوجدت قبولاً واسعاً في أوساط اليهود. وفي سياق تنفيذ هذا المشروع، أُعدّت قنوات الاتصال بالحكومات الاستعمارية الدولية النافذة، وهُيّئت الأموال، وشُكّلت فرق ضغط في الدول العالمية الكبرى لتأمين الدعم والتأييد، وقد نجح هذا المسعى فعلاً في تمرير المطلب الوهمي والاستبدادي لدى بريطانيا، من دون الخوض في تفاصيل المصلحة البريطانية في حينه.
وبمساندة بريطانيا وغيرها من الدول الاستعمارية، تمكّن هذا العدو من تأسيس جيشٍ كان وما زال في جوهره مؤلفاً من عصابات إجرامية، مارست بحق شعبنا في فلسطين أبشع صنوف التنكيل، بالتوازي مع إنشاء سلطة إدارية وسياسية على بقعة من أرض فلسطين. غير أن هذه النواة، التي أُسبغ عليها لاحقاً اسم دولة، لم تكن الغاية النهائية لهذا العدو، ولم تكن هذه البقعة الجغرافية الواقعة في جنوب وطننا السوري هدفه الحيوي. فالغاية الحقيقية تتمثل فيما يُسمّى بأرض إسرائيل الممتدة من الفرات إلى النيل، أي كامل الوطن السوري، لا الاكتفاء بفلسطين وحدها. وهذا القول، بأي حال من الأحوال، لا يعني إبداء أي استعداد للتخلي لليهود عن أرضنا الجنوبية فلسطين، حتى لو ادّعوا أن هدفهم يقتصر عليها.
ومن يتتبّع المسار السياسي والإداري والعسكري لهذا العدو منذ نشأته، يلحظ بوضوح أنه يشن، بين الحين والآخر، حروباً توسعية، أو يفرض قرارات توسعية داخل فلسطين، متذرعا ً بذريعة الأمن ومكافحة الإرهاب.
وما الحرب على غزة، بما رافقها من من إبادة لشعبنا الآمن الأعزل واحتلال للقطاع، إلا حلقة إضافية في سلسلة التمدد، وخطوة متقدمة في سبيل تحقيق حلم ما يُسمّى بـ «إسرائيل الكبرى»
أما ما يجري في لبنان، فليس مجرد حرب خاضتها دولة الاحتلال ضد المقاومة بسبب مساندة شعبنا في لبنان لشعبنا في فلسطين؛ إذ لو كان الهدف محصوراً بمنع هذه المساندة، لانتهت الحرب فور قبول المقاومة بوقف إطلاق النار. إن الهدف من لبنان متجذّر في عمق المشروع الصهيوني اليهودي، ويتجلى في سياسة قضم الأراضي بقدر ما تسمح به قدرة وقوة السلطة والجيش على التمدد، وهو النهج نفسه الذي اعتمده هذا العدو في جنوب الشام. ومن هنا، لا يمكن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام هذا العدو، ولا يجوز إغماض العين عن أهدافه الاستراتيجية، ولا الاطمئنان إليه مهما بلغ التآكل الداخلي الذي أصاب كياناتنا، لأنه يطمع في كامل الوطن السوري، لا في فلسطين، جنوبنا الغالي، وحدها.
وبناءً عليه، فإننا لن ننجو من هذا العدو مهما بالغنا في التنصّل من فلسطين. فهذا هو العدو، وهذه هي الولايات المتحدة الأميركانية، ومعها حلفاؤها في الحلف الأطلسي وأتباعهم في العالم العربي، وهذه هي قدراتهم، وقوتهم، وضخامة إمكانيات دولهم. وأمام هذا الواقع، يفرض السؤال نفسه: أَنرفع الراية البيضاء، ونخضع، ونتقبّل ذلّنا وذلّ الأجيال القادمة؟
لقد آمن شعبنا، على الدوام، بأن الحياة وقفة عز، كما عرفها الزعيم سعاده، ومن هذا الإيمان تنبع حتمية مواجهة هذا العدو اليهودي، والوحشية التي تمارسها الإدارة الأميركانية، دفاعاً عن كرامتنا وحريتنا، وصوناً لحقنا كشعب في الحياة.
وعلى الدول السورية، إن كانت فعلاً دولاً وطنية تمثل الشعب ومصالحه، أن تعي المخاطر الوجودية المحدقة بنا في الصميم، وأن تستنفر كامل قواها وإمكانياتها، وفي طليعتها المقاومة الشعبية. ويتوجب على الدول السورية أن ترعى هذه المقاومة تدريباً وتسليحاً وحماية، إلى جانب تنمية قدرات الجيش، بهدف تحرير الأراضي المغتصبة، والتصدي للمشروع اليهودي والأمريكاني المعدّ لشعبنا وبلادنا.
كما يتوجب على الدولة، في أيٍّ من الدول السورية، أن تقرّ بتقصيرها أو بانشغالها عن واجب التصدي للاحتلال اليهودي، مما يلزمها تقبّل المبادرة الطبيعية للحركة الشعبية في مقاومة الاحتلال، وعدم تقبله كأمر واقع.
وعلى جميع الدول السورية أن تتجاوز أوهام القرارات الدولية، وأوهام القوانين الدولية، وأوهام الدبلوماسية، وأوهام التفاوض. فلو كانت هذه القوانين حقيقية وفاعلة، لما وُجد الاحتلال اليهودي، ولما استمر الوجود الاستعماري في فلسطين ولبنان والشام، ولما استمر الاحتلال التركي في الشمال السوري.
وفي إطار المواجهة للهيمنة الاستعمارية، يتوجب على الشعب السوري، بقواه الشعبية الوطنية والرسمية، أن يتداعى إلى عقد مؤتمر سوري وعربي، بمشاركة كل من يرغب في دعم حقنا، تأكيداً للحق السوري في فلسطين، وتأسيساً لعمل مقاوم يحدّ من التوسع اليهودي، وبناءً لقوة عسكرية قادرة على طرد الاحتلال من كامل الأرض السورية.
كما يتوجب على الدول السورية تثبيت أبناء شعبنا في فلسطين، وفي جنوب لبنان، والجنوب الشامي، وشمال الشام، وتقديم كل أشكال الدعم والإمكانيات التي تمكّن هذه المناطق من الثبات والصمود في وجه الوحشية اليهودية والاستعمارية. وعلى الدول السورية، بالتعاون مع المؤسسات الأهلية، تشكيل فرق دبلوماسية وسياسية تجوب العالم، وتتواصل مع المؤسسات الأهلية والحزبية الدولية، لشرح القضية المحقة للشعب السوري وتعريف العالم بها.
كذلك، ينبغي على الدول السورية والأحزاب السورية التواصل مع الدول الصديقة وغير الطامعة في بلادنا، بهدف بناء أفضل العلاقات معها. وعلى الدول السورية والمؤسسات الأهلية الاقتصادية أن تفكّ كل ارتباط اقتصادي مع الولايات المتحدة الأميركانية وحلفائها، وأن تعيد توجيه اقتصادها نحو الدول التي لا تطمع في خيرات بلادنا ولا تسعى إلى نهب مواردها، فالأمم التي تناضل من أجل الحرية والاستقلال لا يمكنها أن تنساق خلف أعدائها أو خلف الطامعين بثرواتها.
فحريٌّ بنا، نحن السوريين، الذين لنا حياة واحدة، ومجتمع واحد، ومصالح واحدة، ومصير واحد، وثقافة واحدة، وتاريخ واحد، ووطن واحد، أن ننهض، وأن نتمسك بعصبية حقيقتنا القومية، إذ بعصبيتنا القومية الموحدة تتفولذ إرادتنا، ونحقق الانتصار.

