رسالة مفتوحة إلى السيّد رئيس الجمهورية العماد جوزف عون رداً على كلمته عند استقبال الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر

إنّ زيارة قداسة البابا كانت دون شك زيارة تاريخيّة مميّزة من حيث التنظيم، والمواقع الّتي زارها، بغض النظر عن نتائجها المنتظرة على الصعيد السياسي، والّتي وإن غلّفها الغموض نظراً لأنّ الضيف له صفة روحانيّة لا سياسية من جهة، ولأنّ الجهة الّتي نتمنى أن تؤثّر عليها الزيارة تأثيراً إيجابيّاً هي الكيان الإسرائيلي، وما أدراك ما هو هذا الكيان، إن لجهة الوجود أو لجهة الاوهام الّتي أوجدته والّتي انطلقت من نصوص توراتية ما ورائية قديمة بالية حتى ولو غُلّفت بالقداسة، والّتي لا يمكن أن تكون لها جذور قانونيّة تدعّم أحقية هذا الوجود، لأنّنا كلّنا نعلم الخدعة الّتي انطلق منها الصهاينة لإقناع الرأي العام العالمي بصوابية مطلبهم والّتي تلاقت، أي هذه الخدعة، مع مخططات الاستعمار الغربي الّذي أراد من جهة التخلّص من اليهود غير المرغوب بهم في أوروبا . إنّ بعض نصوص دستورنا الّذي ما زال معمولاً به مثل المواد 275-274 و278 والّتي تفرض عقوبات لمجرّد التواصل مع العدو الصهيوني، تفرض حتّى علىرئيس الجمهورية أو الحكومة في حال أراد إجراء مفاوضات مباشرة بغاية الوصول إلى تطبيع مع العدو فسلم، عليهما أن يعدّلا الدستور قبل اتّخاذ أيّ قرار بهذا الشأن وإلّا اعتبر قرارهما مخالفاً للدستور. هذا من حيث المبدأ. أمّا من حيث بعض التفاصيل الّتي وردت في الخطاب فكان من الجيّد التذكير بما ورد في الأناجيل حول المرأة الكنعانيّة مما يؤكّد أنّ لبنان الكيان السياسي الحديث كان جزءاً من بلاد كنعان كما فلسطين. أمّا ما هو مُستغرب فهو الوقوع في فخ الكذبة الحديثة للصهيونيّة العالميّة (اليهودية والمسيحية والمحمدية (والّتي يقودها الرئيس الأميركي انطلاقا من التسويق للاتفاقات الإبراهيمية. هذه التسمية التوراتية تدل وبشكل واضح أنّ الصهاينة استطاعوا أن يجرّوا العالم بكامله وراء الأسطورة التوراتية الّتي بدأت مع آدم مروراً بنوح وإبراهيم ويعقوب الّذي أصبح اسمه إسرائيل ويوسف وموسى. وأنا إذ أقول أسطورة فلا أخترع شيئاً من عندياتي وإنّما استند بذلك إلى دارسين ثقاة ومؤرّخين موضوعيين وبينهم يهود، اذكر من بينهم توماس طومسون، زئيف هرتزوغ، شلومو ساند وعالم النفس سيغموند فرويد. فلست أدري ما هو المغزى من تضمين كلمتكم إشارة لمرّتين عن أبناء إبراهيم الذين يوجد عنهم ممثّلين متفقين بمعتقداتهم ومقدّساتهم، وفهمنا من إشارتكم هذه أنّكم مقتنعون بأنّنا من أبناء إبراهيم وهذا بعيد عن الحقيقة من وجهتها التاريخيّة والعلمية. فالرواية التوراتية ركّزت على اسحق فقط ولم تركّز على اسماعيل، واسحق هو والد يعقوب وعيسو، وليعقوب الّذي غيّر يهوه اسمه فأصبح إسرائيل وُلد اثنا عشر ولداً أصبحوا فيما بعد اسباط بني إسرائيل. ولا أظن أنّ جذورنا الكنعانيّة = الفينيقية تعود لأحد منهم. أمّا الرواية العربية فتنسب العرب إلى اسماعيل بن إبراهيم، علماً أنّه لا إشارة في التوراة إلى هذا الرابط بين اسماعيل والعرب فأولاد اسماعيل مذكورون في التوراة ولا يمت أي واحد منهم للعرب، وإضافة لهذا في التوراة ورد أنّ هاجر والدة اسماعيل زوّجته بفتاة مصرية، والمصريون في ذلك التاريخ لم تكن لهم علاقة بالعرب، وتذكر التوراة أيضاً أنّ اسماعيل عاش بعد زواجه من الفتاة المصرية في بريّة فاران وهي منطقة صحراوية واسعة جنوب فلسطين وشبه جزيرة سيناء. وهناك اختلاف واسع بين ما هو وارد في التوراة عن اسماعيل وما هو وارد في القرآن وفي كتب المؤرخين المسلمين القدامى. ففي القرآن وحسب ما هو وارد في سورة البقرة الآية 126 إبراهيم واسماعيل هما بنيا البيت أي الكعبة، وبالتالي يكون الإثنان قد عاشا في الجزيرة، واسماعيل تزوج بامرأة من هناك فاعتبر أنّه جدّ القبائل العربية. فكيف نوفق بين هذه التناقضات.

التفسير الوحيد لذلك كما يقول الدكتور نسيم جوزف شلهوب في كتابه) العهد القديم: بين حقيقة مقدّسة وأسطورة مسيّسة(بأنّ هناك ثلاث شخصيات قديمة تحمل اسم إبراهيم. وبالتالي نحن لا نمتّ إلى إبراهيم التوراتي بأيّة علاقة، لا على الصعيد السلالي، ولا على الصعيد الديني، لأنّ دين اليهود ليس ديناً توحيدياً كما فرضوه علينا بل هو دين تفريدي كما يقول الدكتور خزعل الماجدي، إذ إنّ هذا الشعب تفرّد بعبادة إله خاص به وهو يهوه، وهذا الإله تفرّد باختيار شعب واحد من بين شعوب العالم كلّه واعتبره شعبه الخاص، فهذا يعني ليس فقط بأنّ لا علاقة له بالتوحيد، بل هو شعب مُشرك إذ عبد إلهاً خاصّاً به وترك للشعوب الباقية أن تعبد آلهتها ولم يكلّف نفسه، مثلما فعل نبيه وموسى بناءً على أوامر إلهه، أن يهدي بقية الشعوب لعبادة هذا الإله.

من ناحية ثانية كيف يمكن أن نرضخ لتزوير اليهود لكلّ ما اعتبروه مناقضاً لما جاء في كتابهم، ونسلّم معهم حول بُنوّة إبراهيم لنا ونترك ما جاء في إنجيل يوحنا:” قال لهم يسوع الحقّ الحقّ أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن “، فكيف يكون يسوع = الإله ابنا لإبراهيم المخادع الّذي باع زوجته مرتين ليكون له خير من ورائهما؟ وكيف نفسّر ما جاء في إنجيل متى عندما سأل يسوع الفرنسيّين قائلاً:” ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو. قالوا له ابن داود. قال لهم كيف يدعوه داود بالروح ربّاً قائلاً قال ربّ البيت لربي اجلس عن يميني حتّى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. “

الم يُسقط يسوع بهذا الكلام ما جاء في انجيلي متى ولوقا عن نسب يسوع إلى إبراهيم بالرغم من التناقض بينهما؟

السيّد الرئيس… حسب الأسطورة التوراتية في سفر التكوين يبدأ التاريخ البشري بآدم وحواء، والمؤسف أنّنا وبعد انقضاء الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ما زلنا مقتنعين أنّ هذه الأسطورة هي حقيقة، علماً أنّ العلم اليوم يناقضها بقوّة. أولاً أظهرت الاكتشافات الأركيولوجية في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وجود رقم طينية كتبت عليها قصص الشعوب القديمة، وفي هذه القصص، الأقدم من النصوص التوراتية بألفي سنة، نقرأ ما هو مشابه لأساطير آدم، وطوفان نوح، ويوسف وموسى، وهذا لم يعد سراً، وبذلك تكون أساطير التوراة قد سقطت لجهة كونها مصدراً لنشوء الكون عامة والأرض خاصّة والإنسان الّذي، وحسب هذه الأساطير لم يتجاوز عمره السبعة آلاف سنة. بينما تفيدنا التنقيبات والّتي أعقبتها دراسة أنّ إنسان هايدلبرغ، الّذي يرجّح الباحثون أنّه الأصل المباشر لإنسان النياندرتال، يتراوح عمره بين مئتي ألف وأربع مئة ألف سنة. وفي يبرود السورية اكتشفت هياكل عظمية تعود إلى مئتي ألف سنة، والعلماء يؤكّدون أنّ عمر الإنسان فوق سطح الأرض يتجاوز الخمسة ملايين سنة، فبرأي من نأخذ: أبرأي العلم الّذي يتحفنا كلّ يوم باستكشافات جديدة تتغيّر معها الحقائق، أم برأي من كتب العهد القديم وألزمنا به كحقائق تاريخيّة أثبت العلم بطلانها؟؟؟

السيد الرئيس أنا لا أملي عليكم ما يجب أن تقولوا، ولا أحاول أن أقول بأنّه يجب عليكم الاقتناع برأيي، كلّ ما أريد قوله هو ألا ننجرّ وراء الكليشيهات الصهيونيّة الأميركيّة الّتي أصبحت مفضوحة الأهداف. أن نسعى لتجنيب لبنان الجنون والإجرام الإسرائيليين فهذا بالطبع واجبكم كحامٍ للبنان، كلّ ما أردت قوله إنّه بإمكانكم السعي لتحقيق مصلحة لبنان على كافة الصعد دون الوقوع في فخ الصهيونيّة الأميركيّة، ولا في فخ التأويلات الدينية غير المستندة إلى قراءة عقلانية، ولنا في نصوص الاناجيل ما يكفي لكي نعرف أنّ إبليس بعينه متجسّد بأفكار الصهاينة وممارساتهم.

عذراً السيّد الرئيس إن كنت تجاوزت الحدود المتعارف عليها والّتي تحتّم على المؤمن احترام أديان الآخرين، لأنّ موقفي هذا ليس له علاقة لا بالإيمان ولا بالإحترام، بل متعلّق بالعقل الّذي يرفض الخضوع لنصوص ما ورائية أسطوريّة بشهادة علماء كثر، وطوبى لابن رشد الّذي قال:” لا يمكن لله أن يعطينا عقولاً ثم يعطينا شرائع مخالفة لها “، وقال أيضاً:” العقل يجب أن يُقدّم على النقل “، فهلّا فعلنا؟

الباحث وجدي المصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *