الخيانة المناقبية: الحنث باليمين
الخيانة الفكرية، برأي سعاده، لا تبقى حبيسة الوعي أو الانحراف النظري، بل لا تلبث أن تجد طريقها إلى الممارسة العملية، فتتحوّل إلى تمرّدٍ على النظام، وخرقٍ للروابط المناقبية، وانتهاكٍ للالتزامات التي تقوم عليها الجماعة. ففي حالات عدّة، يكشف سعاده كيف يبدأ الانحراف بعدم الطاعة وخرق النظام، ومحاولة فرض الآراء والأغراض الخصوصية على سياسة الحزب بصورة غير قانونية، لينتهي بالعمل ضدّ المبادئ القومية والمنظمة القومية ذاتها، كما في حالة يوسف الغريب، الذي بيّن سعاده أنّه «لا يقيم للزعامة وزناً ولا للنظام حرمة». وحين ينفصل الفكر عن النظام، وتُستباح العقيدة باسم الاجتهاد أو المصلحة أو الذات، يظهر الخلل في أشدّ صوره خطورة: كسر اليمين، ونقض العهد، والاستخفاف بالمسؤولية.[1]
من هنا، يشكّل الحنث باليمين الحلقة الواصلة بين الانقلاب الفكري وخيانة الأمانة الاجتماعية، باعتباره التعبير العملي عن انهيار الضمير المناقبي. وهو ما يدفع سعاده إلى التعامل معه لا كزلّة فردية أو خطأ عابر، بل كخيانة مزدوجة للفكرة وللجماعة معاً، تمهّد للفساد، وتفكّك الثقة، وتمنع قيام العزائم الصحيحة التي لا نهضة من دونها.
إذا كانت الخيانة الفكرية هي «الانقلاب على الأصل الفكري»، فإنّ الحنث باليمين هو التجسيد العملي والمناقبي لهذا الانقلاب. فسعاده لا ينظر إلى اليمين كمجرّد إجراء شكلي أو التزام لفظي، بل كـ »رباط اجتماعي مناقبي «وعقدٍ أخلاقي شامل، يُنشئ رابطة وجودية بين الفرد والقضية، ويجعل من الالتزام به معياراً للقيمة القومية للفرد. فاليمين، في نظره، وحدة أخلاقية لا تتجزّأ، والحنث بإحدى موادّها هو حنث بها كلّها، لأنّ القَسَم «ليس جمع مواد، بل التزاماً واحداً كاملاً.»[2]
ومن هنا، لا يُقاس الحنث بالفعل الظاهر وحده، بل بنيّة الانفصال عن هذا الالتزام، وبالتحوّل الداخلي الذي يسبق السقوط العملي. فالخائن لا يبدأ خائناً في سلوكه، بل في وعيه، حين يفقد الشعور بقدسية العهد الذي قطعه، ويتعامل مع اليمين كوسيلة ظرفية لا كميثاق مصيري. ولذلك، كان سعاده يحصر أسباب الحنث إمّا بـ «ضعف الأخلاق والاستهزاء بالقيم المناقبية»، أو بـ «الجهل وفقد الإدراك»، ملقياً باللائمة على «النفوس التي غلبت مثالبها مناقبها.»[3]
ويشدّد سعاده على أنّ الصمت المتواطئ وكتمان الحقائق الأكيدة عن المراجع العليا في القضايا المصيرية يدخلان بدورهما في باب الحنث باليمين، ولو لم يقترنا بفعل تمرّدي مباشر، لأنّ «كتمان الشهادة مع المعرفة» هو شكل من أشكال التآمر المقنّع.[4] ويُخطئ من يظنّ أنّ الحنث باليمين يمكن تبريره بوصفه خلافاً سياسياً أو اجتهاداً تنظيمياً، فالقضية هنا لا تتعلّق بالرأي، بل بالعقد الأخلاقي الذي لا يقوم العمل القومي من دونه. لذلك يحسم سعاده هذا الالتباس حين يؤكّد أنّ الحنث باليمين القومية النظامية «لا يمكن حسبانه خلافاً مع الزعيم»، بل خروجاً صريحاً على الالتزام المناقبي الذي تقوم عليه الحركة.[5]
ويكشف سعاده عن بُعدٍ نفسي بالغ الخطورة في الحنث باليمين، يتمثّل في انقلاب المعايير لدى الناكث، حيث يتحوّل نقض العهد من فعل معيب إلى ادّعاء أخلاقي، ويبدأ صاحبه بتبرير خيانته بوصفها موقفاً شجاعاً أو بطولة فردية. فبعد ارتكاب جريمة نكث العهد، يسير بعضهم «باختيال وكِبر كأنّهم قاموا ببطولة باهرة»، في تشويه كامل لمعنى الشرف والواجب.[6]
ولا تقتصر نتائج الحنث باليمين على سقوط الفرد نفسه، بل تمتد لتصيب الجماعة كلّها، لأنّ نكث العهد يزعزع الثقة، ويفتح ثغرات في البنيان القومي، ويعرّض المجهود العام لأخطار لم يكن الأوفياء شركاء في صنعها. فالحنث باليمين، كما يبيّن سعاده، يضع المخلصين في مهبّ العذابات والأخطار، ويقوّض الجهد القومي المشترك من الداخل.[7]
التجسيد العملي: قضية ميشال أبو رجيلي
تقدّم رسالة سعاده إلى ميشال أبو رجيلي نموذجاً تطبيقياً واضحاً لخطورة الحنث باليمين. فبعد أن «قطع العهود والمواثيق» على نفسه، نكث بها متأثّراً «ببعض أقوال لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة». وهنا يربط سعاده بوضوح بين الضعف الفكري، المتمثّل في التأثّر بالأقوال الكاذبة، والخيانة المناقبية، المتمثّلة في نكث العهد. ويضع الوفاء في مواجهة هذا السلوك، معتبراً إيّاه «من أقدس الفضائل النفسية وأجلّها»، ومؤكّداً أنّ هذا النكث لا يُعدّ شأناً شخصياً، بل فعلاً «يمسّ كرامة الحزب ومصلحته»، ويصيب الكيان الجماعي في صميمه.
خيانة الأمانة الاجتماعية
تُمثّل خيانة الأمانة الاجتماعية، في فكر سعاده، الخيانة للرابطة التي تقوم عليها الأمة، أي رابطة الحياة المشتركة والنظام الأخلاقي الذي ينظّم علاقات أفرادها. وهي لا تقتصر على الفساد الإداري، بل تشكّل «خيانة للضمير الجمعي» و«خرقاً للثقة المجتمعية»، يتمثّل في إفساد المجتمع من الداخل عبر آليات مثل الرشوة والمحسوبية والغش والتزوير والخداع ونشر القيم المناقضة لروح النهضة.
ويؤسّس سعاده لهذا المفهوم انطلاقاً من أنّ المجتمع العظيم هو الذي يقيم علاقاته على الأمانة والثقة المتبادلة. «ففي نظامنا»، يقول، «كما في كلّ نظام اجتماعي سياسي راقٍ، الثقة ركن من الأركان الأولية.»[8] ويذهب إلى أبعد من ذلك في تشخيص خطورة هذه الخيانة، معتبراً أنّ «المجتمع الذي يفسح للخيانة مجالاً هو مجتمع مريض»، وواصفاً الخائن الاجتماعي بأنّه «عدوّ الشعب» لأنّه «يهدم أساس العيش المشترك من داخله.»
ومن أبرز تجلّيات هذه الخيانة، وفق نصوص سعاده:
- خيانة الوظيفة العامة: حين يتحوّل الموظّف من خادم للمصلحة العامة إلى حارس لمصالحه الذاتية، فيصبح المنصب وسيلة للاغتناء لا للخدمة.
- خيانة المسؤولية التعليمية: عندما يتحوّل المعلّم أو المثقّف من مرشد للأمّة إلى مشوّه لوعيها، عن قصد أو عن جهل.
- خيانة الأخوّة القومية: عبر إشاعة روح الشكّ والفرقة بين أبناء الأمّة الواحدة بدل توحيد الكلمة وإصلاح الذات.
[1] راجع رسالة إلى يوسف الغريب، 15/01/1942.
[2] سعاده، إلى ميشال أبو رجيلي، 23/02/1946.
[3] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942 – 1943،”دروس قومية اجتماعية – اليمين”، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 65، 1/9/1943.
[4] سعاده، إلى ميشال أبو رجيلي، 23/02/1946.
[5] حديث الزعيم إلى جريدة كل شيء، كل شيء، بيروت، العدد 20، 31/7/1947، راجع الأعمال الكاملة، المجلد الثامن.
[6] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942 – 1943،”دروس قومية اجتماعية – اليمين”.
[7] المصدر نفسه.
[8] رسالة إلى وليم بحليس، 31/07/1941.

