الهلال الخصيب مختبر الفكر ومهد الخير الاممي ـ (الحلقة الثانية) التفاعل الحضاري وتطور الإسلام

في المقابل، نشأ الإسلام في بيئة الصحراء المجاورة التي كانت تفتقر إلى التنوع والتفاعل الحضاري، حيث كانت الحياة قاسية وتندر فيها التساؤلات الروحانية العميقة. ونتيجة لذلك، اتخذت المرحلة الأولى من الإسلام خصائص بيئتها، حيث ساد التركيز على الأحكام العملية المباشرة والتشريعات الواضحة التي تنظم الحياة اليومية القاسية (تنظيم العلاقات القبلية والتحالفات، فض النزاعات المتعلقة بالماء والميراث والغنائم، إرساء العدل المباشر والردعي…)، كانت هذه ضرورة لا غنى عنها لإقامة مجتمع موحد من بيئات متناحرة. لكن هذا التركيز على القانون الظاهر جعل الفكر الروحي والفلسفي متراجعاً مقارنة باللاهوت المسيحي والسرياني.، مما أدى إلى ظهور مفهوم ديني يقوم على الثنائية القانونية الصارمة (الحلال والحرام)

هذا المفهوم لم يبقَ على حاله. فعندما دخل العرب إلى الهلال الخصيب واحتكوا بسكانه الأصليين ذوي الحضارة العريقة والفكر الروحاني والفلسفي العميق، حدث تفاعل حضاري عظيم.

 هذا التفاعل هو الذي أثمر عن ظهور المذاهب الإسلامية الأكثر روحانية (مثل التصوف والفلسفات المعتزلة والشيعية)، وهي مذاهب لم تكن لتنشأ لولا عمق الفكر السوري والبيئة الحضارية التي احتضنتها. فقبل هذا التفاعل مع الهلال الخصيب، كان الإسلام قد رسخ قانون الندرة الذي ذكرناه. وعندما تلاقت هذه الشرائع الأولية مع الآلة الإدارية والذهنية الفلسفية للسوريين والرافيديين. حصلت عملية انصهار ثقافي إجباري؛ حيث اخذ العرب الأداة الإدارية والبرامج الفكرية من الحضارات القائمة (السريانية، اليونانية، الفارسية):

1.    ولادة علم الكلام والفلسفة: كانت مراكز الترجمة في دمشق وبغداد (التي أسسها العرب على أنقاض الحضارات القديمة) هي التي أحيت الفلسفة اليونانية. لم يكن المعتزلة أو الأشاعرة ليظهروا لولا انخراطهم في المنطق الأرسطي الذي كان محفوظاً ومترجماً باللغة السريانية. لقد كانت هذه المذاهب العقلانية محاولة إسلامية سورية را فدينية للإجابة على التساؤلات الوجودية التي يفرضها مجتمع حضاري معقد، متجاوزين بذلك القانون الحرفي للصحراء.

2.    نشأة التصوف (الروحانية الإسلامية): ظهر التصوف كحركة إسلامية تستمد جذورها من التقشف المسيحي السوري والنسك الهندي والفارسي. إنه استجابة لـ “جوع روحي” لم يكن الإسلام الأولي قد أشبعه. لقد كان هذا التجذر الروحي نابعاً من الإرث الروحي القديم لسورية. شخصيات كبرى في التصوف الأولي مثل رابعة العدوية والحسن البصري (كلاهما من بيئة الرافدين القريبة من التأثير السوري) كانت تجسيداً لهذا الارتقاء.

السلفية: الخطر الوجودي على الهوية السورية

إن سورية، بتاريخها المتصل منذ إيبلا حتى اليوم، هي كيان قومي وحضاري لا يُختزل. إنها سورية التاريخ التي تحمل في نسيجها بصمات جميع من مروا بها، ولهذا ظلت مركزاً للتعددية الفكرية.

الفكر السلفي، بمختلف أشكاله الأصولية، هو محاولة عنيفة لـ “إلغاء مرحلة الانصهار الحضاري” التي حدثت في الهلال الخصيب والعودة إلى الشريعة الحرفية والآليات الاجتماعية للقرون الأولى (قانون الندرة). فهو يسعى إلى:

1.    رفض الإرث العقلي: التكفير والتجريم لكل من علم الكلام، والفلسفة، والتصوف، ورفض التأويل العقلي للنصوص. هذا الرفض هو هدم مباشر لآلاف السنين من الإبداع الفكري السوري الذي أدخل العمق على الإسلام.

2.    تجريد القيم: إلغاء التعقيد الأخلاقي والاجتماعي لصالح ثنائية “الحلال/الحرام” البسيطة والمطلقة.

3.    تدمير التراث المادي: تدمير المآذن والقباب والأضرحة والآثار القديمة (كالتدمير الذي رأيناه في تدمر ومواقع أخرى) هذا ليس مجرد تخريب، بل هو محو متعمد للذاكرة الحضارية السورية التي تسبق التاريخ العربي بآلاف السنين، ومحاولة لإعادة كتابة تاريخ سورية كملحق صغير لتاريخ البيئة الصحراوية.

خطر التفكيك وتهديد الهوية

إن تاريخ سورية هو تاريخ هذه الأرض التي أوجدت الحضارة منذ ستة آلاف عام، أي قبل ظهور الحضارة العربية بآلاف السنين. وقد ظلت سورية مصدراً للفكر الأممي والاجتماع المتنوع. إن محاولات فرض مفهوم الإسلام السلفي، الذي يركز على الحلال والحرام في شكله الأولي ويستمد جذوره من بيئة مختلفة على مجتمع الهلال الخصيب الحالي، هو بمثابة كارثة حضارية. هذا التوجه يهدد بتفكيك المجتمع من خلال نفي التنوع الفكري والديني والثقافي الذي هو أساس المجتمع السوري عبر التاريخ. كما يربطه قسراً بـ “الهوية العربية” في أضيق معانيها، ويتجاهل الإرث السوري السرياني الآرامي الفينيقي الذي هو أساس هذه الحضارة العريقة. فالهدف النهائي لهذا الفكر ليس مجرد فرض الشريعة، بل هو تفكيك الهوية القومية السورية (القائمة على الأرض والتاريخ والوحدة الاجتماعية واستبدالها بـ هوية أيديولوجية عالمية/عربية ضيقة (الولاء للعقيدة الحرفية والمنبع الجغرافي الخارجي) وهذا ما يحول الشعب السوري من أمة ذات تاريخ أصيل إلى مجرد تابع فكري.

إن سورية اليوم ليست مجرد دولة، بل هي مستودع الحضارة العالمية الذي يمتد إرثه من حضارة الآراميين والفينيقيين والكنعانيين. إن السماح بإعادة فرض “قانون الندرة” المادي والحرفي على “حضارة الوفرة” الفكرية والروحية هو جريمة لا تغتفر ضد الإنسانية. إن الحفاظ على سورية، بتنوعها، وروحانيتها، وعمقها الفكري (الكلام، التصوف، الفلسفة) هو الحفاظ على ما تبقى من الإبداع الحضاري الذي أعطى العالم دينه الأممي وأدوات فكره.