أنطوان يزبك
أدّت ضبابية الخيال العلمي، في هذه العجالة من فوضوية الحداثة، إلى بلبلة معرفيّة في حياة المجتمعات الإنسانية في كل مكان من الكرة الأرضية. وعلى ما يبدو، بات واضحا أن ثمة خطة لقلب الواقع إلى خيال والخيال إلى واقع، استنادا إلى ما نشاهده في أحداث عالم اليوم.
ها هو مارك زوكربرغ رئيس شركة ميتا مثلا، يصرّح في واحدة من المقابلات المتلفزة: لقد تسرّعنا في الرهان على الذكاء الاصطناعي لاستبدال البشر!
ولكن، ومن ناحية أخرى؛ عرفنا أن زوكربرغ كان أول من استبدل سكرتيره البشري بسكرتير آخر من الذكاء الاصطناعي، وذلك في سياق ما يصلنا دائما من الدول المطوّرة للعلوم.
هذه الدول التي تصدّر الاكتشافات العلميّة، تدأب على قول الشيء وعكسه في آن معا، فلا يعرف المراقب العادي كيف يستشفّ الصواب من الخطأ، والحقيقة من الخيال، وتبقى وسائل اليقين معلقة في منطقة الشفق القطبي Twilight Zone.
وعليه فقد بشّرونا بحلول عالم الميتافرس، وهو عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد يستطيع المرء أن يعيش فيه كأنّه في العالم الحقيقي. لنتخيّل الإنترنت، ولكن بدل أن نرى المحتوى على الشاشة، نعيش في داخله من خلال وضع نظارات VR أو ندخل من الكمبيوتر بشخصية رقمية «أفاتار»، ونشارك في اجتماع مع الزملاء إلى جانبنا في غرفة واحدة، ونلعب ألعاب Fortnite و Roblox وهي تعتبر بداية الميتافرس ،ثم نشتري و نبيع الأراضي، والملابس، واللوحات الفنية الرقمية NFT ، تقابل أصحابك، تحضر حفلة، تحضر محاضرات إلى آخره…
هذه هي فكرة شركة Meta (فيسبوك سابقا) وهي أكبر شركة تستثمر في الميتافرس، وسمت نفسها Meta بسببه.
الميتافرس الكامل غير موجود حاليا وهو في جوهره محاولة لتحويل الإنترنت من شيء تنظر إليه، إلى شيء تعيش داخله.
أما الماتريكس فهي غير الميتافرس تماما وهي تقنية نبنيها بإرادتنا، وبالمبدأ ندخلها ونخرج منها. ولكن تبقى فكرة الماتريكس فكرة فلسفية مرعبة.
جسّد فيلم The Matrix سنة 1999، مفهوم الماتريكس على الشاشة، لكن الفكرة أقدم من الفيلم بكثير وحين يقال لك «أنت تعيش في الماتريكس»، يكون القصد؛ أن كل حياتك: هذه السماء، الناس، ذكرياتك، كلها ليست حقيقية. أنت مجرّد إنسان نائم في كبسولة، وعقلك موصول بكمبيوتر عملاق يبث لك حياة وهمية كاملة لكي يستغلك.
نجد أيضا في العالم الرقمي مفهوما يسمّى “فرضية المحاكاة” وأننا في حياتنا يتم التلاعب بنا مثل الدمى المربوطة بالخيطان ال marionettes.
يعتبر إيلون ماسك وعدد كبير من العلماء أننا نعيش داخل محاكاة كمبيوتر من صناعة حضارة أذكى منا بملايين المرات. ولمَ لا ونحن نعرف تماما أن الإعلام والسوشيال ميديا يبرمجان أفكارنا ويسجنوننا داخل ” الماتريكس” المزعومة، وعلينا أن نبدأ بالتفكير حتى نتحرر منها.
لكن كل هذا اللعب البهلواني بين الواقع والخيال لا يضاهي لعبة خطف الطائرات وانقاذها في الأجواء الشاهقة، وليس غريبا أن تصل العبقرية العلمية إلى اختراع بساط الريح الذي عرفناه في القصص الخرافية، لكي يستقله الميكانيكيّون لإصلاح الطائرة المعطلة في الجو وحتى شرطي الأجواء من أجل إنقاذ الطائرات المخطوفة.
استغلت السينما الأميركية في سبعينيات القرن الماضي مغامرات الطائرات وصورت مجموعة منها، باتت مشهورة جدا في سلسلة أفلام[المطار] *Airport* من انتاج شركةUniversal وهي كالتالي:
Airport (1970) :
مأخوذة من رواية Arthur Hailey: مطار شيكاغو مغلق بسبب عاصفة ثلجية، رجل يفجر قنبلة في حمام طائرة Boeing 707 متجهة إلى مطار روما لكي تقبض عائلته أموال التأمين. تحتاج الطائرة إلى الهبوط الاضطراري والعودة إلى المطار بينما المدرج مغلق بطائرة عالقة. الفيلم حقق 100 مليون دولار من ميزانية 10 مليون وترشح لـ 9 جوائز أوسكار.
Airport 1975 (1974):
خلال رحلة Columbia 409 تصطدم طائرة بوينغ 747 في الجو بطائرة صغيرة. يفقد الطيارون البصر، فتقوم المضيفة Nancy Pryor بالإمساك بدفّة القيادة. يقوم صديقها من برج المراقبة وهو طيار اختبار متقاعد Alan Murdock لعب الدور الممثل (تشارلتون هيستون) بإرشادها كي تهبط بالطائرة. في النهاية يدلّى البطل بالحبل من هليكوبتر ليدخل من ثقب في قمرة القيادة ويهبط بالطائرة في Salt Lake City رغم تضرر المكابح.
Airport ’77 (1977):
تسقط طائرة بوينغ 747 المخطوفة في مثلث برمودا الغامض وتغرق في البحر، بحيث يتحول الفيلم إلى مغامرة للصمود والبقاء تحت الماء.
The Concorde Airport79(1979)
تتعرّض طائرة كونكورد وهي تطير أسرع من الصوت لهجوم الصواريخ والقنابل، فشل الفيلم فشلا ذريعا وانتهت السلسلة.
ولا يجب أن ننسى أن هوليوود قامت بإخراج الفيلم الكوميدي الشهير Airplane سنة 1980. لتسخر من كل هذه الأفلام دفعة واحدة معترفة بذلك أنها كلها تافهة ومبتذلة ولا علاقة لها بالواقع والحياة.
بيد أن الفيلم الاكثر نجاحا هذا الموسم والذي يجمع بين التشويق والإثارة والميت افرس والماتريكس و الكوميديا السوداء الساخرة والابتذال ؛ هو بدون منازع فيلم محاولة اختطاف طائرة فلاي دبي FZ1073 حيث اختلط الواقع بالخيال، العالم الرقمي بالوهم ، الإخراج والفنون بالسينما والمسرح ، الكوميديا بالدراما … والغد لناظره قريب، ونصيحة للناس أن يتوقفوا عن انتظار عودة الديناصور إذ على هذا المعدل لا شك أن الديناصور عائد ولا ريب !

