فنانو الغرب والصحوة

مواجهة الظلم أثمن من العمل والشهرة

لينا شلهوب

استفاق العالم أخيراً على حقيقة الكيان الصهيوني الغاصب. ولعل الصحوة لهذه الحقيقة من قبل الفنانين في الغرب والولايات المتحدة الأميركية بدأت تأخذ منحى متصاعداً إذ لم يعد بالإمكان إخفاء ممارساته العنصرية والوحشية. نراهم اليوم يقفون إلى جانب فلسطين وضد العنصرية «الإسرائيلية» وجرائم الحرب وسرقة الأراضي.

يوماً بعد يوم تطول قائمة الفنانين والشخصيات العالمية المؤثرة التي تستخدم منصاتها الرقمية والمجتمعية للضغط من أجل وقف الحرب «الاسرائيلية» بحق الفلسطينيين واللبنانيين وإدانة انتهاكات العدو الصهيوني. يأتي موقفهم في ظل الحرب المستمرة على غزة، ومع تزايد الدعوات لمقاطعة المؤسسات والمنظمات المرتبطة ب«إسرائيل» داخل الأوساط الفنية والثقافية، إلى جانب مظاهر التضامن مع الشعب الفلسطيني. بالمقابل لا نشهد في العالم العربي إلا قلة قليلة ممن يعلن جهاراً موقفه من المجازر التي يرتكبها الصهاينة في غزة ولبنان خشية محاربتهم أو فقدان فرص أعمال ودفع ثمن مواقفهم نتيجة ذلك.

من الموسيقى إلى السينما يستمر عدد من النجوم العالميين في التعبير علناً عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ويدعون إلى وضع حد لمعاناة الفلسطينيين المدنيين في غزة. اللائحة طويلة من مارك روفالو وخافيير باردن إلى سوزان ساراندون وريز أحمد وأندرو غارفيلد ويواكيم فونيكس وماكليمور وكيهلاني وآني لينوكس ودوا ليبا وزارا لاريسون وبالوما فايث وفرقة كنيكاب وغيرهم كثر. فنانون غربيون ما زالوا واقفين إلى جانب الفلسطينيين وإلى جانب عالم أكثر إنسانية. هؤلاء لم يقفوا على الحياد أمام الظلم، بل انحازوا إلى القضايا العادلة ورفعوا صوتهم في وجه الظلم. شجاعة هؤلاء تذكّرنا بأن الشهرة لا تكتمل إلا بموقف إنساني شريف.

مؤخراً برز موقف الفنان الأميركي الشهير ماكليمور الذي تم إبعاده عن إحدى الجولات الغنائية الكبرى وتلقى كل أنواع الرسائل لكي يصمت لكنه لم يأبه، بل واصل الغناء، وأعلن التبرع بمليون دولار لمؤسسات إغاثية فلسطينية. منذ أولى أيام الحرب على غزة وقف مالكليمور في ساحات المواجهة غير عابئ بتهديدات وضغوطات اللوبيات الاسرائيلية ثم أطلق أغنية «قاعة هند»    Hind s Hall نسبة الى الطفلة هند رجب. الأغنية هزت العالم وتخطت حاجز ال 36 مليون مشاهدة على تويتر فقط. وبعد أشهر عاد ب «قاعة هند 2» التي ذهب ريعها إلى وكالة الأونروا. وعلى المسرح الكبير في جولة إد شيران في نيوجرسي غنى لغزة أمام عشرات الآلاف وعرض صوراً من الدمار وصرخ بأعلى صوته Free Palestine وهو ما لم يتجرأ عليه أي فنان عربي. هذا الأمر أدى إلى استبعاده من جولة إد شيران تحت ضغط مالكي الملاعب فإذا بصموده يجر الفنانين إلى الانسحاب واحداً تلو الآخر من الجولة ويدفع إذاعات إيرلندية لحذف كل أغاني شيران من سجلاتها وبرامجها، في وقت اجتاحت أغاني ماكليمور العالم وتحولت كلماته إلى هتاف عالمي لفلسطين. ماكليمور ليس مجرد فنان مميز، بل بطل حقيقي اختار الإنسانية والضمير والحقيقة فوق أي شيء آخر رافضاً ان يتم إسكاته بالرغم من كل الأثمان.

ومن الأمثلة البارزة أيضاً عن الفنانين الغربيين المعلنين عن تضامنهم مع غزة هي الممثلة الهوليوودية الشهيرة سوزان سراندون التي أعلنت أنها ما زالت تتعرض للمحاصرة بسبب موقفها الدائم حيال الحق الفلسطيني وأن أدواراً ما زالت تسحب منها. وقبلها تعرّض مارك رافالو لاتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده «اسرائيل». المسألة لم تعد تقتصر على مواقف فردية لنجوم، إذ تكشف قضية فلسطين عن شرخ متزايد داخل هوليوود بين بنية قادرة على فرض كلفة مهنية على المنتقدين، وفنانين باتوا أكثر استعداداً لكسر الصمت.

ويعتبر روجر ووترز(83 عاماً) الموسيقي والمغني البريطاني وأحد مؤسسي فرقة «بينك فلويد»Pink Floyd   الشهيرة من أبرز الشخصيات الفنية العالمية الداعمة للقضية الفلسطينية والرافضة لسياسات الاحتلال ومن أشد الداعمين لحركة مقاطعة «إسرائيل». وكان زار الضفة الغربية ميدانياً ووصف الظروف هناك بأنها نظام فصل عنصري ومأساة إنسانية. يدعو باستمرار إلى مقاطعة «إسرائيل» فنياً وثقافياً واقتصادياً، ويطالب زملاءه الفنانين بعدم إحياء حفلات هناك. يظهر مراراً متوشحاً بالكوفية الفلسطينية في حفلاته الموسيقية، وينتقد بقوة القصف والانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة. ويواجه ضغوطاً وحملات هجوم مستمرة من منظمات موالية للكيان الصهيوني، ومحاولات لمحاربة حفلاته في بعض الفنادق والمسارح العالمية بسبب مواقفه الثابتة. تتهمه «إسرائيل» بمعاداة السامية، وقد نفذ سابقاً العديد من الأعمال الفنية أبرزها أغنيته «فلسطين، موطني» Palestine, Oh My Home.

تحولت تجربة زياراته إلى فلسطين إلى نقطة فاصلة دفعته إلى الدفاع العلني عن حقوق الفلسطينيين. في الضفة الغربية وبرفقة فريق من UNRWA شاهد بأم عينه عام 2007 مشاهد التمييز والقيود وقال يومها «ما رأيته في أنحاء الضفة الغربية كان جحيماً على الأرض». تلك التجربة دفعته إلى اتخاذ قرار بأن يكون صوته واضحاً في الدفاع عن حق الفلسطينيين في المساواة والحرية. ومنذ تلك الزيارات، أصبح ووترز واحداً من أبرز الفنانين العالميين الذين يستخدمون منصاتهم للدفاع عن الحقوق الفلسطينية ومناهضة الاحتلال والفصل العنصري.

من جهته أعلن الممثل السويدي غوستاف سكارزغارد المعروف عالمياً بدور «فلوكي» في المسلسل المعروف Vikings عن دعمه العلني والصريح للقضية والشعب الفلسطيني.

وأعلن ثلاثة ممثلين ارتبطت أسماؤهم بشخصيات الأبطال الخارقين «سبايدرمان» و«باتمان» و«هالك» رسمياً عن مقاطعتهم ل«إسرائيل»، مما أثار ردود فعل واسعة النطاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأعلن بطل العالم لسباقات «الفورمولا وان» لويس هاملتون المتوج بلقب الجائزة الكبرى سبع مرات تضامنه الكامل مع مغني الراب الأميركي ماكليمور مثنياً على شجاعته في استخدام صوته لنصرة المسألة الفلسطينية في مواجهة قرارات الإقصاء الفني في الولايات المتحدة الأميركية.

هؤلاء هم غيض من فيض. والسؤال المطروح إلى متى سيظل الفنانون والمؤثرون العرب لا يعيرون اهتماماً لما يجري لأبناء جلدهم. يبدو أن الإنسانية والوقوف ضد الظلم أقرب إلى الغربيين منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *