في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر

عندما يصبح النفط أغلى من الدم

فارس بدر

الفلسطينيون في غزّة، يقاتلون نيابةً عن المحيط القومي والعربي … في زمنٍ تحوّل فيه الدفاع عن النفط أغلى من الدفاع عن الدم.

لا بدّ من التأكيد أوّلاً بأنّ تاريخ الصراع في المنطقة لم يبدأ في السابع من شهر أكتوبر من العام ٢٠٢٣، كما حاولت وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية تسويقه. ذلك أنّ الجميع يدرك أن جذور الأحداث التي نعايشها على مدى السنوات الثلاث المنصرمة تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، يوم بدأ التخطيط لإقامة « الوطن القومي اليهودي » على أرض فلسطين تحقيقاً لنبوءة «شعب الله المختار» في «أرض الميعاد»، والتي سوّقت لها الحركة الصهيونية العالمية بالتنسيق المتكامل مع الغرب الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا «العظمى».

وهكذا تحققت مشيئة هذا التحالف لترسم على الأرض وقائع جديدة في العام ١٩٤٨ والتي تمثّلت بالإعلان عن قيام دولة إسرائيل في الخامس عشر من أيّار، على أنقاض وطن وشعب وأرض وعلى حساب ما يقارب السبعمئة وخمسين ألف فلسطيني كانوا على وعد مع نهاية الانتداب البريطاني المشؤوم للبدء في عملية بناء، وطنهم وأرضهم وشعبهم.

وهكذا بدأت رحلة المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي مارس عمليات القتل الجماعي والتنكيل والاغتصاب والتطهير العرقي وارتكاب المجازر في بلدة الشيخ ودير ياسين وقرية أبو شوشة والطنطورة وقبّية وقلقيلية وكفر قاسم وخان يونس مروراً بتل الزعتر وصبرا وشاتيلا والحرم الإبراهيمي… إلخ من مجازر تتكرّر اليوم في غزّة ولبنان وسوريا، حيث تمتثل مشاهدها يوميّاً في وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع وذلك خلافاً لمجازر التأسيس التي تعرّف العالم عليها بعد مرور الزمن.

وها نحن اليوم نتابع ونشاهد بأمّ العين، هول المجازر اليومية التي يرتكبها الكيان الصهيوني محاطاً بالأساطيل الأطلسية التي تعربد برّاً وبحراً وجوّاً.

وهكذا بدأت أسطورة غزّة تتكوّن بصمود مقاومتها وشعبها ونسائها وأطفالها، بحيث تحوّلت مقاومة الشعب الفلسطيني لآلة القتل الإسرائيلية التي تستخدم أحدث التقنيات العسكرية في الطيران الحربي والطائرات المسيّرة بدون طيّار وشبكات الصواريخ   موظفّةً لكل تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات القنص والقصف والاغتيال، كل ذلك يحدث أمام محيط رسمي متفرّج،  يكتفي بعبارات الشجب والإدانة والتحذير، وشوارع عربيّة صامتة لم تتمگّن حتى تاريخ كتابة هذه السطور من الضغط على حكوماتها لإغلاق أي سفارة إسرائيلية وإلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع العدو… وهذا أضعف الإيمان.

أمام هذا المشهد المؤلم، يواصل الشعب الفلسطيني في غزّة مقاومته لحرب الإبادة، حيث شكّل السابع من أكتوبر صرخةّ مدوّية في وجه الاحتلال، رفضاً لقمعه وتنكيله واعتقالاته اليومية وتعديّاته على حرمات المواطنين وأرزاقهم وأطفالهم ورفضاً للسجون المكتظّة بالمناضلين والشرفاء.

إنّ ما ينتظر المنطقة ومحيطها هو النموذج الذي نراه يوميّا وعلى مدار الساعة في قطاع غزّة والضفّة التي تعاني مخيماتها من الأمرّين على يد جيش العدو….

هذا النموذج هو ما تريد إسرائيل تعميمه على المحيط القومي بكامله، كما هو رسالة واضحة وجليّة لكل من تسوّل له نفسه فكرة التصدّي والمواجهة مع كيان الاغتصاب والعدوان.

أمام هذا الواقع يقف الشعب الفلسطيني في غزّة بما توفّر له من إرادةٍ وعزمٍ وسلاح للدفاع عن حقوقه المشروعة من جهة وللدفاع عن مستقبل المحيط القومي بشبابه ونسائه وأطفاله وللدفاع عن مدارسه وجامعاته ومراكزه الصحيّة وأماكن عبادته، والتي حوّلها الاحتلال في غزّة إلى ركامٍ يُدمي العين والقلب. 

لا مبالغة في القول، أنّ غزّة اليوم تدافع عنّا جميعاً وعن أطفالنا ومستقبلهم، وعن كل أحرار العالم، في مواجهة تلك الموجة الهوجاء من البربريّة الصهيونية، التي لا شبيه لها على سطح هذا الكوكب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *