منذ عام 2011 اندلعت الأزمة السورية تحت عنوان «الحرية» استنتزفت فيها سوريا كل ما هو غالٍ وأغلى ما خسرته هو دماء أبنائها بين أطراف النزاع، بقيت الحرية شعار ما أطلقت عليه معارضة نظام الأسد اسم «ثورة»، تلك الثورة التي لم يعرف لها قيادة موحدة ولا هدف واحد ولا غاية واحدة إلا «الحرية» هذه الكلمة الفضفاضة التي قتلت دولة كاملة وأسقطت مؤسساتها ودمرت مكونات شعبها حتى بات كل مواطن مستهدف من مجهول لا أحد يعرف عنه شيئاً إلا أنه حالة فردية.
لم يكن نظام الأسد نظام قديسين، بل العكس تماماً كان نظاماً تجذر فيه الفساد حتى أصبح عقيدته القتالية أكثر من الوطن وشعارات حماية الشعب والدولة، كان نظاماً أمنياً قاسياً مجرماً في بعض التفاصيل في معتقلاته، ولكن هل تغير شيء بعد ما سمي بالتحرير؟
عشرون شهراً من الحرية اعتلى فيها الحكم أكثر المتطرفين اجراماً في التاريخ على عرش أعرق عاصمة فيه، الحرية الوحيدة التي عرفها الشعب السوري خلالها هي حرية القتل دون رادع للقاتل ولا رقابة ولا محاسبة، بل عملية قتل منظمة ممنهجة على أقذر الأسس «الطائفية».
عاب ثوار الحرية على الأسد الاحتفاظ بحق الرد على الكيان واتهموه بحماية حدوده وبيع الجولان فيما يحق لهم هم بعد التحرير منع أي مقاومة ضد الكيان الذي يصول ويجول في ثلاث محافظات سورية في الجنوب يقتل ويستبيح الأراضي والممتلكات ويفتش البيوت ويقصف القرى كيفما شاء، عابوا عليه أيضاً ضرب المدن وقتل المدنيين وأول انجازاتهم كانت مجازر الساحل والسويداء والشيخ مقصود.
ولكن أكثر ملف للحرية كان له الأثر على سوريا هو ملف المعتقلات الذي جرّ على سوريا قانون قيصر الذي انهك الدولة والشعب، واستخدمته المعارضة حينها شماعة لكل تعامل مع كل من يعادي سوريا ويسعى لإسقاط دولتها، وعلى رأسهم أمريكا وتركيا والكيان المحتل، فقد شهد جميع السوريين كيف كان الكيان يدعم هؤولاء المحررين ويعالج مقاتليهم في مستشفياته بحجة أنهم يخافون الوقوع في الاعتقال الشرس عند النظام البائد، ولكن اليوم وبعد سقوط هذا النظام نرى نسخة طبق الأصل منه في التعاطي مع نظرية الاعتقال فقد شهدت سوريا العديد من حالات الموت تحت التعذيب في معتقلات السلطة الجولانية الحرة دون محاكمة ولا حتى اجراءات اعتقال قانونية، خلال الأسبوع الماضي فقط ظهر للعلن ثلاث حالات ممن ماتوا تحت التعذيب في المعتقلات ،مسنان من حماه وريف دمشق وشاب من اللاذقية واتخذ معهم جميعاً نفس الاجراء بمنع الكشف عن الجثة والتهديد لذويهم والتوقيع على أنهم ماتوا بنوبات قلبية، وكأن النوبات القلبية هي المرض الوحيد الذي يقتل في عرف هذه الحكومة إن كان من الخصوم السياسيين أو ممن يريدون تصفيتهم من صفوف تنظيمهم العسكري.
كما لم يبق سوري الا وانتقد الحواجز الأمنية عند النظام السابق وممارساتها العنيفة والفاسدة، واليوم في عصر الحرية تعود الحواجز الأمنية لتعمل بنفس الأسلوب فنراها على أطراف السويداء كيف تعتدي على الطلاب والسائقين وتمنع وصول الأدوية والمحروقات إلى المحافظة المنكوبة التي يستمر قطع الكهرباء فيها ليدخل أسبوعه الثاني على التوالي حتى اضطر السائقون وشركات الشحن لاعلان الاضراب عن العمل بسبب ما يتعرضون له من اهانات واعتداءات وابتزاز مادي على هذه الحواجز حيث يطلب منهم دفع مبلغ 500 الف ليرة سورية لعبور كل سيارة من الحاجز وهو ما يصعب تأمينه على المواطنين المحاصرين في السويداء منذ أكثر من عام.
نعم تعيش سوريا اليوم حرية الموت والقتل والارهاب لا حرية الوطن والمواطن والقانون، حرية التمييز الطائفي والمناطقي العنيف وليست الحرية الانسانية والحضارية، تستمر حكومة المحررين بالتباهي بتحريرنا من نظام لنعيش في نعيم حرية الفوضى القاتلة والمطلوب أن نكون سعداء وممتنون ونقول لهم هل من مزيد؟
فما يحق للمحرر لا يحق لغيره…. سوريا لك السلام

