تُعَدُّ فلسفة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية.
والمذهب العقلاني هو ثالث المذاهب الفلسفيّة الّتي تختصّ بدراسة الوجود والكون، إلى جانب المذهبين التّجريبيّ والنّقدي، وتُمثل الفلسفة العقلانية نهجًا فلسفيًّا يضع العقل في صدارة أدوات اكتساب المعرفة وفهم العالم والسياسات والحروب. حيث يتمحور هذا النهج حول الإيمان بأن التفكير العقلي هو أي رؤية تدعو لاعتماد المنطق الفكري والاستدلالي كمصدر للمعرفة والتبرير (كنقيض للخبرة الحسية). وهكذا، هي تؤمن بأن بعض الافتراضات يمكن معرفتها عن طريق البداهة وحدها، بينما أخرى يمكن معرفتها عبر الاستدلال بحجج سليمة من افتراضات فطرية.
فالعقلانية اقتراب فكري يعتبر العقل مركزيًّا في توليد المعرفة الصحيحة. ويتحدّد معنى «العقلانية» المقصود بحسب المجال: نظرية المعرفة، الدين، علم الأخلاق، المنطق، العلم الطبيعي والرياضي. لكن الاستخدام الأكثر شيوعًا للكلمة يتعلق بنظرية المعرفة واقتراب التعامل مع الدين (وحيًا ونبوة) كمصدر للمعرفة.
والتحليل المنطقي هو حجر الزاوية في الفلسفة العقلانية، حيث يعتمد العقلانيون على منهجية تفكيك الظواهر المعقدة إلى مكوناتها الأساسية لفهمها بشكل دقيق. يرتكز هذا النهج على استخدام القوانين العقلية والمبادئ المنطقية لتفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية، مما يجعل التحليل المنطقي أداة فعّالة للوصول إلى حقائق دقيقة.
سياسة المنطق
في السياسة والحروب، عُززت العقلانية تاريخيًّا منذ عصر التنوير «سياسة المنطق» المتمحورة حول الاختيار العقلاني والنفعية والعلمانية واللادينية– خُفّفت معاداة الألوهية في ذلك الأخير لاحقًا بتبني أساليب التفكير التعددية الممكنة عمليًّا بغضّ النظر عن الإيديولوجية الدينية أو اللادينية.
صيغت النظرية الفلسفية السياسية استنادًا إلى مبادئ عقلية، وراهنت على تحقيق نتائج عملية، أهمّها تنظيم المجتمع وضمان سلامته انطلاقًا من حلّ إشكالية المشروعية السياسية.
في الماضي، وعلى وجه الخصوص في القرنين السابع عشر والثامن عشر، استُخدِم مصطلح عقلاني للإشارة إلى المفكرين الأحرار ذوي النظرة المعارضة لتدخّل القساوسة والدين، واكتسبت الكلمة لفترة من الزمن قوة ازدرائية واضحة. اعتقد سقراط بأن على البشر أن يفهموا أنفسهم أولاً قبل أن يفهموا العالم، وأن التفكير العقلاني هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك.
مهمّة الفيلسوف إذن، كما يرى سقراط، هي إصلاح، وفي نهاية المطاف استئصال الروح اللاعقلانية، وبالتالي الحاجة إلى الإصلاح الأخلاقي، وبعدها تفعيل الروح العقلانية، كي يكون إنسانًا مكتملاً يُظهر الجوهر الروحاني الأسمى وهو ما زال في جسده.
العقلانية الحقيقية، بالنسبة لسقراط، هي ليست فقط عملية تفكير، وإنما تغيير في الوعي والطبيعة النوعية للمرء.
فمنذ عصر النهضة ارتبطت العقلانية بإدخال الطرق الرياضية إلى الفلسفة، كما هو الحال في أعمال الفلاسفة رينيه ديكارت وباروخ سبينوزا وغوتفريد لايبنتس. يعدّ هؤلاء أهم الفلاسفة العقلانيين، ويطلق على أفكارهم العقلانية القارية، لأنها كانت سائدة في المدارس الفلسفية القارية في أوروبا، بينما في بريطانيا كانت التجريبية هي السائدة.
نظرت العقلانية إلى الحروب من منظار «المنطق». فالحرب كائن خرافي غامض يسيطر على البشر ويجذبهم إليه بطرق رهيبة، فيتقدّمون إليه بكامل رغبتهم وإرادتهم ويقدّمون أنفسهم وشعوبهم إليه قرابين من أجل تحقيق ما يرونه مصالح وغرائز ونفوذ ورغبات توسّع دفينة وقاتلة. فهل تحتاج كل منطقة من مناطق العالم أن تسقط في هاوية حروب طاحنة وطويلة حتى تتأكّد من عدمية الحرب ومن وحشية هذا الكائن الجبار، ثم تؤوب إلى عقلانية رشيدة تقودها إلى تسوية صراعاتها وتنافساتها بطرق أخرى؟
ما هو السرّ الدفين في جاذبية الحرب القاتلة التي تُخرج البشر عن عقلانيتهم ورُشدهم، وما هي إمكانية توصّلهم إلى حلول وسط توفر عليهم أكلاف الدم؟ أم أنّ كل هذه التساؤلات ساذجة في وجود نزعة الشر والمصالح الدفينة عند البشر، وأن الحرب هي سمة من سمات وجودهم الشقي التي عليهم أن يتعايشوا معها إلى الأبد؟
العقلانية والدين
في العصور الوسطى، كان الفلاسفة، مثل توما الأكويني، يحاولون التوفيق بين العقل والإيمان الديني، ممّا أدّى إلى تطوير فلسفة تجمع بين العقلانية والإيمان. ومع ذلك، كان عصر النهضة هو الذي شهد انطلاقة جديدة للمذهب العقلاني، حيث بدأ الفلاسفة في التركيز على العقل كوسيلة لفهم العالم بعيدًا عن القيود الدينية.
إذا كان العقل في جوهره عالميّ الهوية والجذور، إنساني الملامح والآفاق، فإن العقلانية غير ذلك، إذ هي تتعدد بتعدد الثقافات والأمم. ففي كتابه «هكذا تكلّم زرادشت»، حاول فريدريك نيتشه نقد الدين (المسيحيّة) باستخدام العقل عوض العاطفة التي تستمدّ منها قوّتها، وقد وصف نيتشه المسيحيّة أنّها تعتمد المشاعر أكثر من العقل، وهي المشكلة التي كبَّلت الإنسان وفكره لقرون عديدة، جاعلة منه ردّ الفعل عوض منبع الفعل.
ليس هناك اجوبة مكتملة على قصة ديمومة الحروب «الدينية» في التاريخ الانساني واستمرار هذه النزعة الانتحارية الجماعية في قلب ممارسات الجنس البشري.
سقط في الحرب العالمية الثانية ومسرحها الرئيسي أوروبا ما يقارب من سبعين مليون قتيل، وفي الحرب العالمية الاولى أزيد من ستة عشر مليون قتيل. وقبل ذلك بقرون ثلاثة، وتحديدًا ما بين الربع الأول من القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن السابع عشر، انخرطت أوروبا في سلسلة حروب دينية طاحنة لو وُجدت فيها ذات الأسلحة المتقدمة التي توفرت في حروب القرن الواحد والعشرين لربما أبادت أوروبا ذاتها. لماذا لم تتّعظ الدول العربية من أوروبا القروسطية وتتفادى الحرب والثمن المخيف الذي دفعته في السنوات الماضية واستخدم فيه الدين لتبرير الإجرام التكفيري والدموي بكثافة؟
الحديث عن العقلانية في ظلّ ظروف الإبادة من قِبل العدو االصهيوأميركي، هو تجاهل للواقع المأساوي في غزة فلسطين وكما في جنوب لبنان وسوريا والعراق… وصولاً إلى إيران.
بالرغم من مئات الدراسات التي تناولت الحروب لتحليلها ورصد وقائعها وتطوراتها وفهم أسبابها، وأيضًا لمحاولة تجنّبها في المستقبل، وبالرغم مما أثير حتى في ثقافتنا السورية والعربية عن الصراع التاريخي بين السيف والقلم، باعتبارهما نقيضين متلازمين، يتبادلان المواقع وفق الثقل الذي تفرضه الظروف، فإن أشباح الحروب لا ولم تتوقف عن الإطلال بوجهها الدموي على هذا المشرق منذ زرع الكيان الاستيطاني في فلسطين المحتلة.
أوروبا والغرب بعد الحروب العالمية والدينية الدموية تعقلنت ولو مرحليًّا. دموية حروبها المخيفة وأنهار الدماء التي لطّخت جغرافيا القارّة بطولها وعرضها دفعتها إلى شنّ حرب جماعية تعاونية ضدّ فكرة الحرب العسكرية. بمعنى ما عقلانية أوروبا والغرب الراهنة في إدارة العلاقات الداخلية (وليس العلاقات الخارجية لأن الحرب مع الخارج بقيت إلى يومنا هذا) هي نتاج الكلفة الفلكية التي دفعتها شعوب القارة ودولها في حروب الدم. فهل يتّعظ المشرق السوري وينبذ حروبه الانعزالية ويتّجه نحو تكريس المواطنة كصيغة ذهبية لوحدة الحياة داخل المجتمع الواحد؟
