سهى صبّاغ، الرسّامة التشكيليّة والكاتبة والناقدة السينمائية، ترسمُ في روايتها أين كان القمر كلّ تلك السنين: ما بين بيروت والجنوب (دار نلسن، 2026، غلاف أنيق من تصميم الروائيّة) وجوهاً وأماكن على مساحة وطنها، فبيروت ملتقى فكر والجنوب ساحة نضال، عاصمة متّصلة وثيقاً بجنوبها، فسحة فيض مشاعر وظروف قهر وحرمان، وعلاقات رحبة من الألق والفوز، ووشائج متعاقبة من الإخفاق والتعثّر، ومن هنا هي وصفٌ دقيق للتجارب السياسيّة محليّاً والكفاح ضدّ الدولة العبريّة، والعذاب في معتقل الخيام، وإن لم تخلُ من إضاءة على الصحبة والصداقة والهجرة هرباً من ضيق العيش، وأحياناً عن الجيران وبساطة الحياة معهم، وتركيبة العائلة والعلاقة مع الجيل الناشئ؛ إنّها حياة أهل لبنان على مساحته وإنْ تحت مجهر الجنوب وامتداده حتى بيروت.
لا تنسَ سهى صبّاغ قصص الجنوب اليوميّة فتشير أحياناً بإيجاز وأحياناً أُخرى بتوسّع إلى الحزن اليومي، فالاحتلال قائم وجيش لبنان الجنوبي مُستبدٌّ، وعشرات المعتقلين في زنازين ضيِّقة؛ لكن لا يغيبُ عن الروائيّة أنْ تسردَ ما تراه أمامها وصفاً حيّاً، وأنْ تلجأ إلى حوارات مُستفيضة وأحاديث مُشوِّقة عن بيروت وأهلها، فإشاراتٌ إلى زياد الرحباني وخالد علوان، ودائماً عودةٌ إلى ما يشبه سيرة ذاتيّة إذ تعمدُ إلى تصوير حياة فنٍّ ورسم وكتب.
روايةُ سهى صبّاغ، بحدّيها، بيروت والجنوب، على مدى سنين من غياب القمر، لوحةٌ تشكيليّةٌ واضحة التضاريس بارزة النتوءات، تُوصِلُ قارئها إلى مساحة رحبة من إعادة النظر في مفهوم الالتزام بالوطن والمجتمع دون إسقاط مباهج الحياة اليوميّة. رواية سيرة شظف وعذاب وما يتخلّلها من لحظات قناعة وهناء في لوحةٍ تشكيليّة واعدة بفسحة أمل.
محمود شريح

