ليست القدوة إنسانًا يتحدث عن القيم، بل إنسانًا تصبح القيم ظاهرةً في حياته. فالأفكار، مهما سمت، تبقى ناقصة الأثر إذا لم تنتقل إلى السلوك والمواقف، والمبادئ لا تكتسب قوتها الحقيقية من جمال عباراتها وحده، بل ممن يجسّدونها بأفعالهم.
وقد عبّر أنطون سعاده عن هذا المعنى بقول بليغ:«كلُّ من مشى في الحق قبل أن يمشي الكل صار قدوةً ومعلّمًا.»[1]
ولعل عبارة «مشى في الحق» هي مفتاح هذا القول كله. فالقدوة لا تتكوّن بالكلام عن الحق، بل بالسير فيه؛ ولا بالدعوة إلى الواجب، بل بأدائه؛ ولا بتمجيد التضحية، بل بالاستعداد لها حين تدعو الحاجة.
وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الشباب، فهم لا يحتاجون إلى المواعظ بقدر حاجتهم إلى نماذج يرون فيها أن القيم التي يُدعون إليها قابلة لأن تُعاش، وأن الإنسان يستطيع أن يجعل من حياته شاهدًا على ما يؤمن به.
القدوة بين القول والفعل
من السهل أن يتحدث الإنسان عن الأخلاق والواجب والنظام والتضحية، ولكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تضعه الحياة أمام موقف يقتضي منه أن يدفع ثمن ما يؤمن به.
فالإنسان القدوة هو الذي تنسجم أقواله مع أفعاله، فلا يدعو إلى الواجب ثم يتهرب منه، ولا يطالب الآخرين بالتضحية ثم يجعل مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار، ولا يتحدث عن النظام ثم يخالفه عندما لا يوافق رغبته.
وفي هذا المعنى تتصل القدوة بمبدأ الواجب اتصالًا وثيقًا. فقد جعل سعاده الواجب من المبادئ المناقبية الأساسية في النهضة، وقال:
«نحن لم نتلكأ عن واجب لأن الواجب مبدأ أساسي من مبادئنا الأخلاقية.»[2]
فالقدوة تبدأ من أداء الواجب، وخصوصًا عندما يكون أداؤه صعبًا، ولا يكون وراؤه مكسب أو شهرة أو مصلحة شخصية.
سعاده: الفكر الذي أصبح حياة
لم يكن سعاده يدعو إلى مبادئ لا يمارسها، بل جعل من حياته تجسيدًا لما آمن به ودعا إليه. فالقيم التي نادى بها، من واجب وثقة وإرادة وعطاء وتضحية، تجلّت في سلوكه ومواقفه ومسيرة حياته. وما تعهّد به في قسم الزعامة لم يكن كلمات أو إعلانًا نظريًا، بل التزامًا كرّس له حياته:
«أنا أنطون سعاده أُقسم بشرفي وحقيقتي على أن أقف نفسي على أمتي السورية ووطني سورية عاملًا لحياتهما ورقيهما…»
فقد كان الفكر عنده مشروع عمل، وكانت العقيدة مسؤولية، وكان الإيمان يستدعي الواجب.
ومنذ شبابه المبكر، شغلت قضية أمته فكره ووجدانه. وحين طرح على نفسه السؤال: «ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟»، وانصرف إلى البحث والتنقيب عن الأسباب. ومن ثم انتقل إلى تحديد القضية، ثم إلى تأسيس حركة منظّمة غايتها تغيير واقع الأمة والنهوض بها.
وهنا تكمن الرسالة للشباب: أن ما نؤمن به لا ينبغي أن يبقى منفصلا عن طريقة الحياة.
قدوة في تحمّل المسؤولية
لا تعني القدوة أن يكون الإنسان معصومًا من الخطأ، ولا أن تتحول الشخصيات إلى أصنام لا يجوز نقدها، بل أن يكون مستعدًا لتحمّل مسؤولية اختياراته، وأن يضع الواجب فوق المنفعة الآنية.
وقد اختار سعاده طريقًا كان يعرف أنه لن يكون سهلًا. واجه السجن والملاحقة والنفي والصراع السياسي والفكري، ولكنه لم يعتبر الواجب أمرًا يؤدَّى عندما تكون الظروف ملائمة ويُترك عندما تشتد الصعوبات.
وهنا يظهر الفرق بين المبدأ الذي نردّده والمبدأ الذي نحييه: فالكلمات يسهل تردادها، أما صدق المبادئ فيتجلّى في تطبيقها والثبات عليها في المواقف الصعبة.
القدوة ليست عبادة الأشخاص
والاقتداء لا يعني تقديس الأشخاص أو تعطيل العقل أمامهم. فسعاده نفسه رفض أن تُقاس العقيدة بالأفراد أو أن تصبح قيمة الحركة مرتبطة بشخص من الأشخاص، فقال:«إنّ الأشخاص يجيئون ويذهبون ويتبدلون، ولكن العقيدة هي الأساس الراسخ، الثابت على الأيام، والسنين، والعقود، والأجيال.»[3]
وأكد أن العقيدة والنظام لا يجوز أن توضع قيمتهما في محل قيمة الأفراد، بل يجب أن يكونا هما محكًّا للأفراد.[4]
وهنا يظهر الفرق بين القدوة وعبادة الشخصية. فالقدوة الحقيقية لا تطلب منا أن نتخلى عن عقولنا لنتبع شخصًا، بل تساعدنا على رؤية كيف يمكن للمبدأ أن يتحول إلى فعل.
إنها قاعدة أساسية لكل حركة فكرية ومؤسسة: الأشخاص يُقاسون بالمبادئ، لا المبادئ بالأشخاص.
الشباب والقدوة
يحتاج الشباب في كل عصر إلى قدوات، لكن عصرنا جعل المسألة أكثر تعقيدًا. فقد أصبحت الشهرة سريعة، والصورة تحل أحيانًا محل الحقيقة، وعدد المتابعين يُقدَّم بوصفه دليلًا على القيمة والنجاح.
لكن الشهرة ليست قدوة، والنجاح الشخصي وحده ليس عظمة، والقدرة على التأثير في الآخرين لا تعني بالضرورة القدرة على الارتقاء بهم.
فالقدوة التي تحتاج إليها الأمة نجدها في شبابها وشاباتها الذين يثبتون في دراستهم وعملهم وسلوكهم أن المعرفة مسؤولية. يتقنون عملهم، ويحترمون كلمتهم، ويؤدون واجبهم، ويعطون من وقتهم وعلمهم وقدرتهم. ويضعون المصلحة العامة فوق الأنانية، ويعاملون الآخرين بالأخلاق التي يريدون أن تسود مجتمعهم.
وليس ضروريًا أن يكون الإنسان قائدًا مشهورًا لكي يصبح قدوة. فقد يكون المعلّم قدوة لتلاميذه، والطبيب في أمانته قدوة، والباحث في صدقه قدوة، والعامل في إتقانه قدوة، والشاب الذي يخدم مجتمعه بصمت قدوة. فالقدوة تبدأ حيث يتحول المبدأ إلى فعل يومي.
من القدوة إلى مساءلة الذات
والحديث عن القدوة لا يكتمل إذا بقي حديثًا عن سعاده أو عن شخصيات التاريخ. فالغاية ليست أن نتأمل حياة العظماء من بعيد، بل أن نسأل ماذا تعني لنا اليوم.
ليس السؤال فقط: من هو قدوتي؟ بل أيضًا: هل أستطيع أنا أن أكون قدوة؟
هل تتفق أفعالي مع المبادئ التي أعلنها؟ هل أؤدي واجبي قبل أن أطالب الآخرين بواجباتهم؟ هل أعطي قبل أن أسأل ماذا سأحصل؟ وهل يصبح من حولي أكثر ثقةً وعلمًا وقدرةً بسبب وجودي بينهم؟
ويمكن اختصار ذلك كله بسؤال واحد: لو لم أتحدث عن مبادئي، هل يستطيع الآخرون أن يعرفوا، من أعمالي وسلوكي وحدهما، ما الذي أؤمن به؟
رسالة إلى شباب اليوم
أيها الشبان والشابات لا تبحثوا عن القدوة في الكلمات وحدها، ولا تجعلوا الشهرة معيارًا للعظمة. ابحثوا عنها في صدق الإنسان، وعلمه وعمله، وفي ثباته عندما يصعب الثبات، وفي عطائه واستعداده لتحمّل مسؤولية ما يؤمن به.
واقرأوا حياة سعاده لا لتقفوا عند الإعجاب بشخصه، بل لتدرسوا كيف يستطيع الإنسان أن يجعل من فكره قضية، ومن قضيته واجبًا، ومن واجبه حياة.
وحريّ بنا أن نقتدي بالرجل الذي رفض المجد الزائف ومشى في طريق الحق عاملًا لمجد أمته، وظل حتى النهاية يجسّد المبادئ التي دعا إليها.
أيها الشباب والشابات، انطلاقًا من قول سعاده: لا تنتظروا أن يمشي الكل كي تمشوا في الحق. ابدؤوا أنتم، فقد يكون في خطوتكم ما يفتح الطريق للآخرين.Top of Form
Bottom of Form
Top of Form
Bottom of Form
[1] أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942-1943، “الوطنية والأريحية في المغترب”.
[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948-1949، “خطاب الزعيم في اللاذقية”، 23/11/1948، ملحق رقم 9.
[3] أنطون سعاده، سعاده في أول آذار، طبعة 1956، «الاحتفال بمولد الزعيم في بيونس آيرس”، ص 68.
[4] المرجع نفسه.

