من فرانكا فيولا إلى بتول علوش حرية المجتمع تبدأ من حرية المرأة

بعد تولي المحامية اللبنانية بشرى خليل ملف قضية الشابة السورية المختطفة «بتول علوش» دولياً، تحوَّل الملف إلى مسار قانوني وحقوقي منظَّم في المحافل الدولية بموجب توكيل رسمي؛ حيث سعت المحامية وعائلة الفتاة إلى دحض الرواية المحلية التي تتحدث عن المغادرة الطوعية، وتثبيت توصيف القضية دولياً كجريمة «اختفاء قسري وانتهاكات جسيمة بحق النساء والفتيات».

لم يقتصر التحرك القانوني على الخاطفين المفترضين فحسب، بل شملت الدعاوى القانونية المزمع إقامتها ملاحقة ومساءلة السلطات والجهات الحاكمة في سوريا (بما فيها سلطات الأمر الواقع والمجموعات الدينية المتطرفة والمؤسسات الرسمية التي غطت القضية)، بتهم تسهيل أو التستر على جريمة الخطف.

فما هي الفرص المتاحة والمسارات القانونية المحتملة لهذه القضية؟

تركز المحامية بشرى خليل والفريق المتخصص في ألمانيا وفرنسا على إخراج القضية من الطابع العائلي الفردي، حيث يسعون لتجميع أدلة وشهادات تثبت وجود نمط تكراري منظَّم يستهدف خطف واحتجاز النساء والفتيات بدوافع دينية أو فكرية، والضغط النفسي لتغيير المعتقدات، وهو ما يدخل ضمن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ويرتكز الملف الدولي على دحض الرواية المحلية القائلة بالمغادرة الطوعية، حيث تتم الاستفادة من تقارير حقوقية وشهادات الأهل والبيانات الصادرة عن هيئات كـ «المجلس الإسلامي العلوي» لإثبات أن الفتاة كانت واقعة تحت الضغط النفسي الشديد والترهيب أثناء ظهورها الإعلامي والمؤتمرات الصحفية التي تحدثت فيها عن ذهابها طواعية للهجرة في سبيل الله، وفي ظل تنظيم الظهور الإعلامي بطريقة مريبة بعد منتصف الليل، ومنع والديها من التواجد.

بالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية، تواجه عقبة الاختصاص القضائي، نظراً لكون سوريا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، وبالتالي لا تملك المحكمة الجنائية صلاحية تلقائية للنظر في هذه الجريمة المرتكبة داخل الأراضي السورية، إلا أن الفريق القانوني يمتلك فرصة أقوى لرفع دعاوى في دول أوروبية (مثل ألمانيا أو فرنسا) تتمتع بـ «الولاية القضائية العالمية» (Universal Jurisdiction)؛ حيث يتيح هذا المسار محاكمة الأفراد أو الكيانات المتورطة في التسهيل أو التستر على الخطف فور دخولهم الأراضي الأوروبية.

تَعتمد الولاية القضائية العالمية، كآلية قانونية دولية، على مبدأ يتيح للمحاكم الوطنية في بعض الدول ملاحقة ومحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة، أو جنسية الضحية، أو جنسية الجاني؛ وهي تعتمد على قدرة المحامين على ربط الجريمة الفردية بنهج جرائم دولية أوسع، وتحديد متهمين بأعينهم يتنقلون أو يقيمون في أوروبا، لذا تعد الولاية القضائية العالمية البديل القانوني الأكثر فاعلية ونفاذاً في القضايا السورية حالياً، نظراً لانسداد أفق المحكمة الجنائية الدولية.

هناك قواسم مشتركة عميقة وصدمات اجتماعية متقاطعة تجمع بين قضية الشابة السورية بتول علوش والقضية التاريخية لـ فرانكا فيولا في إيطاليا (ستينيات القرن الماضي)، غير أن المسارين القانونيين يختلفان جوهرياً نتيجة لاختلاف «موقف الضحية» وطبيعة النظام القضائي في كلتا الحالتين.  

فما هي أوجه التشابه والاختلاف بين المسارين؟

أوجه التشابه:

انطلقت القضيتان من واقع تعرُّض الفتاتين (وكلاهما في سن الـ 17-21 عاماً) لعملية عزل واحتجاز تهدف إلى إجبارهما على أمر يرفضه الأهل والمجتمع المحيط؛ في حالة فرانكا كان الهدف إجبارها على الزواج من خاطفها ومغتصبها لـ «إصلاح الشرف»، وفي حالة بتول عُزلت لتغيير معتقدها الديني تحت مسمى «الهجرة في سبيل الله».

مثَّلت القضيتان صدمة لوعي المجتمع؛ صمود عائلة فرانكا أسس لوعي قانوني تكلل لاحقاً بإلغاء قانون «زواج الإصلاح» الإيطالي المعيب، بعد سنوات من النضال؛ وبالمثل، حرَّكت قضية بتول، المختطفة من المدينة الجامعية، المنظمات الحقوقية السورية والدولية لتسليط الضوء على غياب الحماية القانونية الفعالة للنساء في مناطق النزاع.

تحولت القضيتان من مجرد حادثة جنائية أو خلاف عائلي ريفي وضيِّق إلى قضية رأي عام كبرى حركت الشارع، واستقطبت اهتمام وسائل الإعلام والنخب الحقوقية والسياسية نظراً لملامستهما قضايا حساسة (المافيا والعادات بالبلدات الإيطالية سابقاً، والتوتر الطائفي وسلطات الأمر الواقع في سوريا حالياً).

أوجه الاختلاف:

رغم رجعية القوانين آنذاك إلا أن القضاء الإيطالي أتاح لفرانكا رفع دعوى مباشرة، وحاكم الخاطف وأودعه السجن؛ في حين أن القضاء السوري أغلق القضية محلياً واعتبر الفتاة بالغة وحرة وطليقة، ولا وجود لجرم خطف بناءً على إفادتها.

في قضية فرانكا فيولا حُسمت القضية داخل المحاكم الإيطالية الوطنية دون الحاجة للتدويل، لكن في قضية بتول علوش يُدفع بالقضية نحو المحاكم الأوروبية (الولاية القضائية العالمية) للالتفاف على إغلاق الملف محلياً.

خلاصة القول: يبدو المسار القانوني لقضية بتول علوش معقداً، فالقانون الدولي يحتاج إلى إثبات أن «حرية الإرادة» التي أعلنتها بتول كانت منقوصة ومصادرة تحت التهديد أو التلاعب النفسي، لتتم ملاحقة المتورطين دولياً؛ لكن كما نجح مسار العدالة بعد سنوات من النضال في إيطاليا في قضية فرانكا، فإن مسار العدالة لا بد وأن ينجح مهما طال الزمن في قضية بتول، التي لم تعد ابنة أهلها فحسب، بل أصبحت ابنة كل بيت سوري شريف؛ وقد قالها أحد السوريين الأحرار: «شرف بتول هو شرف كل سوري حر».

يختصر المفكر السوري العظيم أنطون سعادة واقع الحال والآمال بقوله: « إذا وُجدت المحبة في نفوس شعب بكامله، أوجدت في وسطه تعاوناً خالصاً وتعاطفاً جميلاً يملأ الحياة آمالاً ونشاطاً…… أما الوطنية القائمة على تقاليد رجعية رثة فهي شيء عقيم ولو أدَّت إلى الحرية السياسية».

منال الجابر/دمشق ـ الجزء الثاني   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *