نبض الدم الذي لم يجف

في الثامن من تموز عام 1949، لم يُعدم أنطون سعادة فحسب — بل حاولوا أن يُعدموا فكرة. لكن من يعرف تاريخ الأفكار يعلم أن الرصاص لا يقتل العقيدة، وأن الدم الذي يسيل على حجارة السجن يُصبح ماءً حياً يروي جذور نهضة لم تُنبت بعد.

سعادة لم يمت. سعادة تحول من رجلٍ من لحم ودم إلى رمزٍ حيٍّ يتنفس في كل نبضة قومية، ويُشرق في كل فجر يستيقظ فيه قوميٌّ على واجب. وها نحن اليوم، بعد سبعة وسبعين عاماً، نحتفل — لا بالذكرى — بل بالحضور. حضوره فينا. حضور فكره الذي ما زال يُنادي: «سورية للسوريين، والسوريون أمة تامة».

في السابع من تموز، نُكث حسني الزعيم وعده. سلّم سعادة إلى السلطات اللبنانية بعد أن كان قد استقبله في دمشق ملجأً. وفي الثامن من تموز، أُعدم فجراً بعد محاكمةٍ لم تتجاوز بضع ساعات. لكن اسألوا أنفسكم: لماذا أُسرع في إعدامه؟

لأنهم أدركوا أن سعادة ليس مجرد رجلٍ سياسي. بل أنه فكرة تمشي على قدمين. وأن الفكرة إذا بقيت حية، فإنها تلد ثورة. فأرادوا قتل الفكرة بالرصاص. غافلين ان الفكرة لا تموت بالرصاص، بل بالنسيان. ونحن هنا لنؤكد أننا لم ولن ننسى.

سعادة قال ذات يوم: «ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟» واليوم، نسأل نحن: ما الذي سيُنقذ شعبنا من هذا الويل؟ الجواب في عقيدته.

في زمنٍ تاهت فيه الأمة بين طائفيةٍ تُمزق والتبعية تُذل، جاء سعادة ليقول كلمته الفاصلة: الأمة ليست وهمًا، بل هي واقعٌ اجتماعيٌّ حتمي. الأمة ليست رابطة دينية ولا عرقية ولا لغوية محضة — الأمة هي وحدة الحياة، هي التاريخ المشترك، هي البيئة التي تشكلت فيها الإرادة الجماعية.

تأمّل في رؤيته الجغرافية. سوريا الطبيعية — من طوروس إلى قناة السويس، من البحر السوري إلى الصحراء — هي وحدةٌ جغرافية وتاريخية واجتماعية لا تقبل التجزئة. لبنان وسوريا وفلسطين والأردن وقبرص والعراق ليست دولاً منفصلة، بل أجزاءٌ من كيانٍ واحدٍ تُدعى الأمة السورية.

وفي زمنٍ كان فيه الدين سلاح تفرقةٍ لا رابطة وحدة، جاء سعادة ليقول: الدين عقيدةٌ وفلسفةٌ وشعورٌ — لكنه ليس أساساً للدولة. الدين للقلب، والدولة للعقل. والعصبية القومية وحدها هي التي تجمع، بينما العصبية الدينية تُفرق.

تأمّل في عبقريته التربوية. لم يبنِ سعادة حزباً سياسياً فحسب؛ بنى مدرسة فكر. مدرسة تُعلم أن القومية ليست شعاراً، بل نظرة إلى الحياة. أنها ليست حزباً يخدم مصلحة فئة، بل حزبٌ يعبر عن مصلحة الأمة كلها. هذه ليست سياسة يومية — هذه فلسفة وجود.

جراح الأمة وجراح الزعيم

أُعدم سعادة لأنه كان يملك رؤية شاملة في زمنٍ كانت فيه الرؤى جزئية. رأى أن القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها، مستقلة كل الاستقلال عن أي قضية أخرى. لم يكن تابعاً للغرب ولا للشرق. كان سورياً خالصاً.

اذ نرى الطائفية تعيد رسم حدود الدم نرى التجزئة تُعمق جراح الأمة. نرى التبعية تُبدّل القومية بقبيلة، والوطن بفئة. ونرى — في المقابل — أن فكر سعادة ما زال يُقدّم الجواب الوحيد الشامل: وحدة الأمة السورية على أساسٍ قوميٍّ اجتماعي.

التحليل يقول: الأمة السورية لم تزل مجتمعاً واحداً. المسيحي والمحمدي والدرزي في سوريا الطبيعية يشتركون اشتراكاً كلياً في روابط الحياة الاجتماعية والروحية. التحليل يقول: العصبية القومية وحدها تجمع، والعصبية الدينية تُفرق. التحليل يقول: النهضة لا تأتي بالتمني، بل بالعمل.

إن مصيبتنا بيهود الداخل أشد من يهود الخارج. انظروا إليهم كيف تكالبوا وأمعنوا نهشاً في جسد الأمة.«

الزعيم لم يُعدم لأنه أراد منصباً. أُعدم لأنه أراد تحرير الأمة من عقدة التبعية والتخلف الحضاري والتفكك. فإن كنتم تريدون أن تكونوا أوفياء لدمه، فلا تكتفوا بالذكرى السنوية ولا بالشعارات الجوفاء. اذهبوا إلى الناس. اشرحوا لهم أن القومية ليست شعاراً، بل نظرة إلى الحياة.

سعادة آمن بأن الحرية والواجب والنظام والقوة هي رموزٌ تربط القومي بأخيه القومي، وتجعل منهم أتم متحد. فاعملوا بها. عيشوها.

لكن الأهم — والأشدّ وقعاً في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها أمتنا — هو ما قاله الزعيم بلسان الجرح والتضحية:

«إني أترك جراحي البالغة لأضمد جراح أمتي النازفة. «

هل نترك جراحنا لنضمد جراح الأمة أم نُضخم جراحنا حتى تصبح حجاباً يُغطي عيوننا عن رؤية الجرح الأكبر؟

أمتنا تنزف. تنزف من فلسطين إلى سوريا، من لبنان إلى العراق. تنزف طائفيةً وتجزئةً وتبعيةً. ونحن — نحن القوميين — مطالبون أن نكون الطبيب لا المريض. أن نكون الضماد لا الجرح.

سعادة لم يُمت سعادة يُعاد تكوينه في كل جيلٍ يحمل فكره. وهذا الجيل — جيلنا — مطالبٌ أن يكون الأوفى. أن يحمل الفكر لا مجرد الذكرى. أن يسير به إلى النصر لا إلى المقبرة.

رشيد حاطوم

رئيس تحرير موقع «ايكون نيوز»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *