إعدام باني الأمة! جرح نازف في جسد العدالة والقانون والمحاكمات..

في هذا الزمن بالذات وفي الذكرى السابعة والسبعين لاستشهاد الخالد سعاده، يبدو لنا جليّا أن العدالة في عالمنا هي عدالة كرتونية مزيّفة عدالة الكذبة البشعة التي تروّج لحقوق الإنسان بينما الحقوق معدومة!

فلا مجلس أمم يهدف إلى إحقاق السلام في العالم ولا من يحزنون، وكل كلام في هذا الموضوع هو دجل وأكاذيب، لا بل حكومات البلدان الضعيفة ليست سوى أداة طيّعة في خدمة الأنظمة الجائرة وحكومات الاستعمار التي توجّه القضاء والمحكمة والعدل (وما فيها من ضمائر ميتة مرتشية وفاسدة) كما يحلو لها، كمن يوجّه السفينة إلى الميناء الذي يريدها أن ترسو فيه.

محاكمة الزعيم المفدّى أنطون سعاده، المحاكمة التي فاحت منها رائحة الإجرام والعمالة والخيانة لم تكن الأولى في التاريخ، ومع الأسف لن تكون الأخيرة. ولا بدّ لنا في هذه العُجالة من أن نستعرض بعض المؤامرات التي أطاحت بشخصيات فذّة كان مقدرا لها أن تبدّل وجه التاريخ!

ها هو سقراط فيلسوف اليونان العظيم، اعتُبرت محاكمته من أشهر قضايا السقوط القضائي في التاريخ، حين وجهّت السلطات في اثينا للفيلسوف اليوناني؛ تهمة إفساد عقول الشباب والزندقة والإلحاد والكفر بآلهة المدينة وعلى الرغم من دفاع سقراط الفذّ المنطقي والعقلاني، صدر ضدّه حكم الإعدام وذلك من خلال تجرّع عصير نبات الشوكران السّام.

 من تلك اللحظة وحتى يومنا هذا لا زالت القوى المتسلّطة الشريرة التي تستولي على حكومات العالم، تحاكم الأبطال وبناة الأمم وتضطهد هم، مذيقة الشعوب العلقم وتجرّعهم السموم على أنواعها في حروب الإبادة والقتل، تهجيرا وتغييرا للديموغرافيا وحرقا لأصول الحضارات التي من المفترض أن تعمل على ضمان مستقبل جيّد ومقبول للشعوب وتأمين حريّتها.

شهد العالم وخاصة في القرن الماضي اضطرابات سياسية كبيرة خاصة  في دول أميركا اللاتينيّة حيث الانقلابات تحصل كل يوم تقريبا وتقام المحاكمات الصوريّة لإعدام الرؤساء و زعماء التحرير من عبودية الإمبريالية ، وبالطبع أثّرت هذه الأجواء على الأدب الأميركي اللاتيني كثيرا و أدب تلك البلاد يدور بكامله تقريبا حول هذا الموضوع ، نذكر على سبيل المثال مسرحية :  “جريمتكم أنكم أبرياء” وهي مسرحية اسمها بالإسبانية :  “El delito de ser inocente ” – جريمة البراءة ، لمؤلّفها : خوسيه دي لانغريديرا الكاتب و المسرحي الإسباني/التشيلي . تناقش المسرحية فكرة الظلم الذي يجعل من الأبرياء مذنبين لمجرّد أنهم ضد النظام. وحيث يحكم على الأبرياء. في المسرحية طاغية يحاكم الناس بتهمة “البراءة” لأنها تهديد لسلطته.

الجدير ذكره أن تلفزيون لبنان عرض هذه المسرحية بين عاميّ 1974-1975 ضمن سلسلة “مسرح العالم”. وقام أنطوان معاصري بتعريب المسرحية، كما أبدع فيها الممثل القدير أنطوان كرباج بدور الديكتاتور حيث كان يصرخ: “جريمتكم أنكم أبرياء” الجملة بذاتها ترعب، في مشهد المحكمة وهو يخاطب الشعب من الشرفة، وقد تكون تذكيرا بمحاكمة الخالد سعاده التي حصلت في الثامن من تموز سنة 1949.

ثمة فيلم قصير يتناول محاكمة الزعيم سعادة، مدته نحو 20 دقيقة انتجه الحزب السوري القومي الاجتماعي سنة 2010، إضافة إلى عشرات الأفلام الوثائقية التي تتناول الحزب ومحاكمة الزعيم وإعدامه أهمها الوثائقي من إنتاج قناة الميادين.

في امثلة القيادات التي اغتيلت ظلما، الرئيس سلفادور أليندي رئيس تشيلي من عام 1970 إلى عام 1973 الذي انتخبه الشعب واغتيل خلال انقلاب 11 سبتمبر 1973 حين قاد الجيش بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه، انقلابًا عسكريًا ضد حكومة أليندي. حاصرت دبابات الجيش القصر الرئاسي “لامونيدا” في سانتياغو وقصفته بالطيران ولما رفض الاستسلام، واستشهد داخل القصر الرئاسي، تفيد الرواية الرسمية أنه انتحر الانقلاب أسقط الحكومة مباشرة، وبدأت بعدها 17 سنة من الحكم العسكري وتعرض بعدها الآلاف من المعارضين لمحاكمات عسكرية أو اعتقال واختفاء قسري.

نذكر أيضا باتريس لو مومبا، أول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال سنة 1960، الذي لم يحاكم محاكمة عادلة أو علنية أبدًا.  وبدون دفاع أو إجراءات قانونية حقيقية.  ثم أُعدم رمياً بالرصاص. كما ذُوّبت جثث الضحايا في حمض لإخفاء الأدلة. لم تكن محاكمة قضائية. كانت اعتقال سياسي، وتسليم للخصوم، ثمّ تصفية جسديّة.

في “إعدامات الزور” أو التصفيات السياسية. لا يجب أن ننسى الرئيس هاشم الأتاسي في دمشق الذي وبعد انقلاب حسني الزعيم تمّ عزله وسُجنه وتصفيته سياسياً في محاكمة شكليّة.

 كذلك نذكر ذو الفقار على بوتو رئيس وزراء باكستان، وهو واحد من أشهر الأمثلة على المحاكمات الكاذبة والتعسفيّة. حكم بوتو الباكستان من سنة 1971 إلى سنة 1977 حيث نفّذ الجنرال محمد ضياء الحق انقلابا عسكريا وعزله وسجنه، وُصفت المحاكمة بأنها محاكمة سياسيّة وتعسفيّة، انتهت بإعدامه شنقاً في مارس سنة 1978. 

اما تصفية الثائر الأممي تشي غيفارا فهي تبدو تنفيذا لحكم إعدام صادر عن محكمة الظلام الأميركية للتخلص منه وغيره من الذين تجاسروا على مواجهة القوى الظلامية. نيلسون مانديلا هو الآخر سجن لمدة تربو على ثلاثة عقود من دون محاكمة عادلة.

تكرّ السبحة في ذكر مئات لا بل آلاف المحاكمات والمؤامرات ولا تنتهي ولا يتوقف سيّال الدماء وزجّ الأبرياء في السجون كما يحصل مع آلاف الفلسطينيين في الأرض المحتلة.

لكن وعلى الرغم من كل هذه الويلات والظلم، ستبقى كلمات الزعيم سعادة تضجّ في ضمير الأمة:

أنا لا يهمّني كيف أموت، بل من أجل ماذا أموت، لا أعدّ السنين التي عشتها ، بل الأعمال التي نفذّتها هذه الليلة سيعدمونني أمّا أبناء عقيدتي فسينتصرون وسيجيئ انتصارهم انتقاما لموتي ! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *