في كل ثامن من تموز، نستعيد أنطون سعادة شهيداً وقائداً ومؤسساً، ونستذكر مواقفه وصلابته ووصيته وإيمانه بقضية أمته.
لكن الوفاء الحقيقي للمفكر لا يكون باستعادة سيرته وحدها، بل بإعادة اكتشاف فكره.
ولعل أجمل تحية يمكن أن تُقدَّم لأنطون سعاده في ذكرى استشهاده ليست تكرار ما قيل فيه، بل إعادة قراءة أحد أهم اكتشافاته الفكرية، الذي لم ينل، برغم مرور عقود على استشهاده، ما يستحقه من البحث والتحليل.
إنه ما سماه هو نفسه:
“الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد”
لم يكن سعادة يتحدث عن مبدأ إصلاحي، ولا عن تعديل دستوري، ولا عن أسلوب جديد في الانتخابات، بل عن مفهوم جديد للديمقراطية، أطلق عليه اسم “الديمقراطية التعبيرية”.
إنها عبارة كبيرة، بل جريئة، تستوقف كل باحث في الفكر السياسي.
فأي اكتشاف هذا الذي رأى سعاده أن البشرية ستسير بموجبه؟
وهل كان يقصد مجرد استبدال كلمة “التمثيل” بكلمة “التعبير”؟
أم أنه كان يعيد بناء مفهوم الديمقراطية نفسه، ويمنحه مضموناً جديداً يتجاوز المفهوم الذي استقر في الفكر السياسي الحديث؟
الجواب نجده في قوله:
“إن الديمقراطية الحاضرة قد استغنت بالشكل عن الأساس فتحوَّلت إلى نوع من الفوضى، لدرجة أن الشعب ذاته أخذ يئنّ من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها “تمثيل” الإرادة العامة، وصار ينتظر انقلاباً جديداً. وهذا الانقلاب الجديد هو ما تجيء به الفلسفة السورية القومية الاجتماعية القائلة بالعودة إلى الأساس والتعويل على “التعبير عن الإرادة العامة”. فالتفكير السوري القومي الاجتماعي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة اسمها “التعبير عن إرادة الشعب” … وهذه الفكرة الجديدة هي الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد… إن الأمم كلها تريد الخير والفلاح، ولكن المشكل هو في إيجاد التعبير الصالح عن هذه الإرادة. فالإرادة العامة، إذا لم تجد التعبير الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة، تصبح عرضة لأن تقع فريسة للمطامع والمآرب التمثيلية.”
إذا كان سعادة قد وصف الديمقراطية التعبيرية بأنها الاكتشاف السوري الجديد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
ما الذي اكتشفه؟
لفهم ذلك، لا بد أولاً من إزالة عدد من الالتباسات التي رسخت في الفكر السياسي، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن الديمقراطية والبرلمانية شيء واحد.
فقد انتقد سعادة هذا الخلط بوضوح، ورأى أن البرلمانية ليست الديمقراطية، وإنما هي أحد أشكالها الممكنة. حتى إنه ذهب إلى القول إن الشعب قد يمنح حكومة واحدة انتداباً مطلقاً إذا قامت على الثقة المطلقة، لأن معيار الديمقراطية ليس عدد المؤسسات، ولا شكل النظام، بل صحة التعبير عن الإرادة العامة.
ومع ذلك، عندما سُئل عن شكل الدولة السورية التي يتصورها، أجاب بأنها “جمهورية برلمانية ديمقراطية، يفصل فيها الدين عن الدولة، مع ميل إلى اليسار”.
ولا تناقض بين الموقفين.
فالبرلمانية، عند سعادة، ليست عقيدة، بل وسيلة دستورية. أما الديمقراطية فهي المبدأ الذي يمنح هذه الوسيلة مشروعيتها. ولهذا لم يقل: جمهورية برلمانية، بل قال: جمهورية برلمانية ديمقراطية، أي إن البرلمان لا يكتسب قيمته من وجوده، بل من قدرته على أن يكون أداة للتعبير الصحيح عن الإرادة العامة.
ومن هنا يبدأ التحول الجذري في التفكير.
فبدلاً من أن يكون السؤال الأول: كيف تُشكَّل السلطة؟ يصبح السؤال: عن أي إرادة تعبّر هذه السلطة؟
وبدلاً من أن تصبح المؤسسات غاية قائمة بذاتها، تصبح وسائل لتحقيق غاية أعلى.
ولذلك لم يكن اعتراض سعادة على الانتخابات، ولا على الاقتراع، ولا على الأكثرية، ولا على البرلمانية، بل على الاكتفاء بهذه الوسائل وكأنها هي الديمقراطية نفسها.
فالمشكلة، في نظره، ليست في وجود الإرادة العامة، لأن الأمم كلها تريد الخير والفلاح، وإنما في إيجاد التعبير الصحيح عن هذه الإرادة.
وهنا تبدأ الديمقراطية التعبيرية.
ولكن كيف حوّل سعادة هذا المفهوم من فكرة فلسفية إلى نظام دستوري عملي؟
وهل بقي “التعبير عن الإرادة العامة” شعاراً نظرياً، أم أنه تجسد فعلاً في دستور الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أراده سعادة النموذج الأول للدولة السورية القومية الاجتماعية؟
هذا ما سنحاول تتبعه في الحلقة الثانية
د. نظام حموي ـ الحلقة الأولى

