راهنية فكر أنطون سعاده بوجه مؤامرات التفتيت الإمبريالية الصهيونية

لم يكن إطلاق الرصاص على جسد أنطون سعاده في فجر الثامن من تموز عام 1949 مجرد إجراء جنائي نفذته سلطة مرعوبة في بيروت، بل كان تدشيناً دموياً لمرحلة تثبيت ركائز «سايكس بيكو» وحماية الكيان الصهيوني الوليد. في تلك الليلة، التقت مصالح الاستعمار الغربي، والحركة الصهيونية، والبورجوازية التجارية الإقطاعية المحلية، لإعدام «الفكرة» التي قضّت مضاجعهم: فكرة الوعي القومي والنهوض الشامل.

​اليوم، وبعد عقود من تلك الجريمة، يتجاوز فكر سعاده كونه إرثاً تاريخياً ليصبح ضرورة وجودية وراهنية« تشخص أمراض الحاضر وتقدم ترياق الخلاص لأمة ما زالت تدفع ثمن تفتيتها من دماء أبنائها وسيادتها وثرواتها.

أولاً: تشريح المؤامرة: تحالف الثالوث ضد الوعي القومي

​إن قراءة ظروف اغتيال سعاده تكشف عمق الترابط بين المصالح الإمبريالية والأدوات المحلية؛ فالسرعة الفائقة التي تمت بها المحاكمة الصورية وتنفيذ الإعدام خلال أقل من أربع وعشرين ساعة [2]، تعكس حجم الذعر الذي أصاب عواصم القرار الاستعماري وأزلامها في لبنان والشام.

​ولم تكن المؤامرة وليدة لحظتها، بل جاءت نتاج تلاقي ثلاثة أطراف رئيسية:

1. الإمبريالية الغربية وحراسة التجزئة

​كانت بريطانيا وفرنسا، ومن خلفهما الولايات المتحدة، تسعى إلى تثبيت الخارطة الجيوسياسية التي أنتجتها الحرب العالمية الأولى. جاء فكر سعاده، القائم على وحدة سورية الطبيعية (الهلال الخصيب) الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، ليهدد مشروع التفتيت من أساسه. لقد طرح سعاده مفهوم «السيادة القومية المستقلة» النابعة من مصالح الشعب.

2. الكيان الصهيوني وخطر المقاومة المنظمة

​نُفذ الاغتيال بعد عام واحد فقط من نكبة فلسطين عام 1948. وكان سعاده من أوائل الذين أدركوا أن الخطر الصهيوني ليس تهديداً لفلسطين وحدها، بل هو مشروع استيطاني يستهدف إلغاء الأمة بأسرها. عندما بدأ سعاده بتنظيم الصفوف لمواجهة هذا الخطر عسكرياً وفكرياً، الذي يعني افشال مشروع «إسرائيل الكبرى» صدر القرار الدولي بتصفيته.

3. المنظومة الكيانية الطائفية المحلية

​في لبنان والشام، وجد الإقطاع السياسي والمالي المرتبط بالاستعمار نفسه مهدداً بصعود حركة علمانية، قومية، واجتماعية تحارب الطائفية والمحسوبية. تحالف نظام رياض الصلح في بيروت مع دكتاتورية حسني الزعيم في دمشق—بإيعاز وأوامر مباشرة من السفارات الأجنبية—لتسليم سعاده وإعدامه، ظناً منهم أن غياب الجسد ينهي مفعول العقيدة.

ثانياً: راهنية الفكر السعادّي في مواجهة واقع الانهيار

​إن ما يمنح فكر أنطون سعاده صفة الراهنية اليوم هو أن الأزمات المعاصرة التي تعصف ببلاد الشام وعموم العالم العربي ليست سوى الأعراض الجانبية للمرض المزمن الذي شخّصه سعاده قبل نحو قرن من الزمن.

​وتتجلى هذه الراهنية في قدرة الفكر السعادي على تفكيك أزمات الحاضر المستمرة وتقديم العلاج الجذري لها،عبر المسارات التالية:

1. الدولة العلمانية وفصل الدين عن الدولة كعلاج للتفتيت الطائفي

​تغرق المجتمعات اليوم في أتون الحروب الأهلية المبطنة والعلنية، والنزاعات المذهبية التي تفكك النسيج الاجتماعي. هنا تبرز المبادئ الإصلاحية لسعاده، وعلى رأسها «فصل الدين عن الدولة» و«منع رجال الدين من التدخل في الشؤون السياسية والقضائية القومية».

​لم ينطلق سعاده في علمانيته من معاداة الدين كقيمة روحية، بل من رؤية علمية ترى في الطائفية حاجزاً يمنع تشكل الوعي المواطني ويهدد وحدة المجتمع.

2. مفهوم المتحد الاجتماعي والوحدة القومية بوجه كانتونات التشظي

​في زمن تتشظى فيه الهويات إلى كانتونات عرقية ومذهبية، ويجري الترويج لمشاريع «الشرق الأوسط الجديد» القائمة على التفتيت الذاتي، يقدّم سعاده مفهوم «المتحد الاجتماعي».

​القومية عند سعاده ليست عرقاً ولا ديناً، بل هي دورة حياة اقتصادية واجتماعية تتفاعل فيها الجماعة البشرية مع بيئتها الجغرافية عبر التاريخ.

3. الصراع الوجودي ومناهضة التطبيع بوجه التهديد الصهيوني المستمر

​بينما تهرول بعض الأنظمة نحو «التطبيع» والاتفاقيات الإبراهيمية التي تهدف إلى دمج الكيان الصهيوني في المنطقة كعنصر مهيمن، يذكرنا فكر سعاده بالثابت الاستراتيجي: أن الصراع مع الصهيونية صراع وجود لا صراع حدود.

​إن الراهنية هنا تتجلى في إدراك أن خطورة الكيان الصهيوني لا تقتصر على احتلال الأرض، بل في كونه أداة إمبريالية وُجدت لمنع أي تقارب أو تكامل اقتصادي وسياسي بين أشلاء الأمة. المقاومة في الفكر السعادي هي فعل مادي وفكري مستمر، يرفض الاستسلام ويرى في الوعي القومي السلاح الأول والأساسي في المعركة.

4. البديل المدرحي: التحرر الاقتصادي كمقتل للتبعية المالية

​في فكر أنطون سعاده، لا تنفصل لقمة العيش عن رصاصة المقاومة؛ فالسيادة السياسية وهمٌ مسكوب في قوالب من ورق ما لم تحرسها سيادة اقتصادية نابعة من صلب الأرض وعرق الجبين. من هنا، جاءت «المدرحية» (المادية-الروحية) لا كحل وسط بين الرأسمالية والشيوعية، بل كـثورة إبستمولوجية تتجاوز عقم الثنائيات الكلاسيكية وتؤسس لنموذج تحرري شامل.

​1. ما وراء الرأسمالية والماركسية: الإنسان قيمتُه إنتاجُه

​فَكّك سعاده القطبين الأيديولوجيين المهيمنين برؤية اخترقت جدار الزمن:

●      ​نقض الماركسية: رفض اختزال الإنسان في حتمية مادية مؤكداً أن الفكر والروح والهوية قوى حيوية صانعة للاقتصاد وموجهة له.

●      ​نقض الرأسمالية: عرى الفردية المتوحشة ورأى أن تفلت رأس المال من الضابط الأخلاقي والاجتماعي يلد الإمبريالية حتماً للبحث عن أسواق جديدة وسحق الأمم.

​الاقتصاد في الفلسفة المدرحية خادمٌ للارتقاء الإنساني، وليس إلهاً يُعبد.

2 ـ ثلاثية النهوض: الإنتاج، الحق، وسحق الاحتكار

 ​تترجم المدرحية فلسفتها ميدانياً عبر ركائز جذرية تضرب عمق المنظومات السمسارية:
​أولوية الاقتصاد الإنتاجي: الثروة الحقيقية هي تفاعل العقل البشري مع ثروات البيئة الجغرافية (زراعة، صناعة، فكر) .

​إنسانية العمل والعدالة: العمل شرف وفعل وجودي (طبابة، تعليم، شيخوخة) كحق ملازم للمواطنة.

​منع الاحتكار وتأميم المرافق: اعتبر سعاده أن تركز الثروة والموارد الاستراتيجية (كالطاقة والنقل) في يد كارتيلات مالية أو إقطاعية يعني تلقائياً مصادرة القرار السياسي للدولة؛ لذا وجبت ملكيتها العامة للشعب بإشراف الدولة.

​3.  راهنية سعاده: المقصلة الدولية والانهيار الريعي

 ​تتجلى عبقرية استشراف سعاده اليوم عند تشريح «الاستعمار الجديد» المفروض عبر أدوات العولمة المالية:

 

​فخ الديون والسيادة المهدورة: تحول صندوق النقد والبنك الدوليين إلى أدوات إخضاع

​سقوط النموذج السمساري (النموذج اللبناني): لقد تأسس الكيان على عقيدة “الاقتصاد الحر والخدمات والريع”، مُهمشاً قطاعات الإنتاج الحقيقي.

​صيرورة المواجهة

 ​إن التحرر الاقتصادي في الفكر السعادي ليس خياراً تقنياً، بل هو شرط وجودي للتحرر القومي. اقتصاد إنتاجي، عادل، يتكامل ضمن بيئته الطبيعية عبر سوق مشتركة عابرة للحدود المصطنعة، ليكون الفلاح والمصنع والمفكر هم حراس السيادة الحقيقيين بوجه إمبريالية الديون المتراكمة.

5.فلسفة القوة: الحديد والنار كحتمية وجودية في مواجهة الاستيطان

​لم يكن أنطون سعاده حالماً مثالياً يفصل الفكر عن أدوات تحقيقه، بل كان مدركاً بعمق سوسيولوجي وتاريخي أن الحق الأعزل من القوة هو التماسٌ ذليل لا يصنع سيادة. في عقيدته، “إن القول الفصل في إثبات الحق أو إنكاره هو للقوة”؛ فالقوانين الدولية والصكوك الدبلوماسية ليست سوى انعكاس لموازين القوى على الأرض، والأمم التي تستجدي حقها من منابر “المجتمع الدولي” محكوم عليها بالفناء والاندثار.

​وتتجلى هذه الراهنية الصارمة اليوم في إدراك طبيعة الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني.

​هذه الثلاثية السعادية (القول الفصل للقوة، إيلام العدو بالموت، لغة الحديد والنار) لم تكن دعوة للعنف العبثي، بل كانت تأسيساً إستراتيجيا لثقافة المقاومة المنظمة.

​إن راهنية هذا المفهوم تتجسد اليوم في ساحات المواجهة من غزة إلى جنوب لبنان إلى الشام؛ حيث تثبت الوقائع اليومية أن الجدار الوحيد الذي يحمي الأمة من الابتلاع هو جدار النار والحديد، وأن دماء الشهداء المقاومين هي الميزان الوحيد الذي يجبر العدو على الانكفاء،

ثالثاً: خلود الفكرة وانكسار المقصلة

​إن استهداف فكر أنطون سعاده لم ينتهِ بإنزال جسده عن خشبة الإعدام؛ فقد استمرت المؤامرة عبر عقود من التشويه الممنهج، والحظر السياسي، والملاحقات، ومحاولات الشيطنة الإعلامية. وكان الهدف دائماً هو عزل الشباب عن هذا المعين الفكري النهضوي.

​إن رصاصات الثامن من تموز لم تكن كلمة النهاية، بل كانت البداية لصيرورة تاريخية جعلت من شهادة سعاده “أيقونة” للفداء وعملاً تأسيسياً لفلسفة المقاومة. إن الأنظمة والأشخاص الذين وقعوا قرار إعدامه طواهم النسيان أو لعنهم التاريخ، بينما يظل فكر سعاده حياً، نابضاً، ومحركاً للأجيال التي ترفض الخنوع وتصر على أن الحياة وقفة عز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *