لم يكن أنطون سعاده سياسياً عادياً ولا زعيماً لزمن محدد، بل كان قبل كل شيء مفكّراً مهجوساً بالمشرق، وبحفظِه قوياً، وبحمايته متنوعاً، بتكامل للدورة الاجتماعية والاقتصادية، على بقعة جغرافية أثبتت بالعلم أنها لا تتجزأ ولا يجوز أن تخضع للاستعمار، على أن تواجه العدو الثابت، ذاك الصهيوني، لتبقى.
والبقاء لأمّة سعاده منطلقاته واضحة: الوحدة حتى ضفاف دجلة، رفض النزعات التعصّبية والعنصرية والنزاعات الطائفية والمذهبية، حرية الشعب الطالعة من إرادة الشعب، الاصلاح، التكامل والتشارك الاقتصادي، والمقاومة.
وصحيح أن سعادة دفع في حياته ثمناً باهظاً جزاء فكره، وتمّ وضعه قصداً في خانة الشياطين لئلا يصل هذا الفكر الى مسامع الكثيرين فيُطَبّق وتسقط المشاريع الاستعمارية، وصحيح أنه دفع حياته ثمناً بعد ذلك ذات تموز من العام ١٩٤٨، إلا أن إنصافه يتجلى اليوم بحيث تصدق نبوءته.
فقد اتضح بعد تجربة، أن حماية أبناء المشرق مسلمين ومسيحيين، هي في اتحادهم، وعندما يتحدّون بعيداً من أي تطرف ومع حفظ خصوصيات كل مكوّن، نشرق من جديد.
أعدموا سعادة وأعدموا معه أوطاننا التي باتت رهينة للسياسات الغربية، وسلّمت رقبتها لمشروع الصهيونية العالمية التي يجسّدها الكيان الاسرائيلي، واضحت خاضعة، منهوبة الثروات ومزوّرة الثورات، مسلوبة الحرية ومجنّدة لخدمة الاوراق الخارجية غاطسة في الفساد ومشلّعة بين غرب متسلّط وشرق تخشى التعامل معه بأريحية، تنهشها الطائفية والهبّات الفدرالية والتقسيمية.
أما اليوم، فيُكتب حبر سعادة بالتغيير الاقليمي والدولي الحاصل، وبالدم الجديد الفائض من طوفان. وتواجه الصهيونية مقاومة متحدة باتت تؤرق وجود الكيان، بفتحها ساحات العز نصرةً لفلسطين التي كانت بوصلته.
وصحيح أن بعض الاصوات المتطرفة من هنا وهناك ترتفع في أوقات الازمات، إلا أنها ستنخفض بعد قليل، حين تُرفع راية النصر.
تلك الحرب جعلت الشيعي يقاتل من أجل قضية ظن البعض يوماً أنها للسنّة وحدهم، فماتت الفتنة المشتهاة. وأعادت المسيحي العاقل الى معقل مسيحيته حاملاً هو أيضاً لواء غزة. ووضعت لبنان عند فوهة البركان، ولكن عن قوة هذه المرة، وسوريا تمارس دورها بالحدّ الذي تقدر عليه الان، وانتفض اليمن لعروبته على موجة بحر أحمر، والعراق تعالى عن جراحه موجّهاً صواريخه بالاتجاه الصحيح، واستفاقت الجامعة العربية على أن المقاومة ليست إرهاباً، ووقف التطبيع على الباب الذي أقفلته الانسانية في وجهه.
وما بعد زمن المقاومة، لن يكون بقاء للأمة إلا بفكر يشبه ذاك الذي أطلقه مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان مسيحياً حتى العظم ومسيحيته أخذته الى “الوحدة في التنوع” لضمان البقاء للجميع. والذي كان إصلاحياً حتى العظم وأخذته إصلاحيته التقدمية الى طرح اتحاد سبق بعقود كل اتحادات العالم التي تبنّت الفكرة وطبّقتها وألهتنا ببعضنا البعض.
وليست المشرقية التي قدّمها الرئيس العماد ميشال عون طرحاً متكاملاً في مطلع ولايته الرئاسية وناقشها مع الرئيس السوري السابق والعاهل الاردني ببعيدة عن هذا الفكر الانقاذي.
الفرصة سانحة لقومية واسعة مع الحفاظ على سيادة الدول فلا تفوّتوها واستفيدوا من صدق النبوءة الفكرية

