لأنَّه اختار الحياة

لم يكن أنطون سعاده يبحث عن نجاحٍ شخصي، ولا عن مجدٍ يُدوَّن باسمه، ولا عن عيشٍ هادئٍ ينعم فيه بالراحة والأمان. كان يستطيع، بما أوتي من ذكاءٍ وثقافةٍ وموهبة، أن يكون أديبًا كبيرًا، أو صحافيًا لامعًا، أو سياسيًا مرموقًا، وأن ينال ما يناله الرجال من شهرةٍ ومكانة. لكنه أعرض عن كل ذلك، لأنه لم يكن يبحث عن العيش، بل عن الحياة.

ولكن ما الحياة في نظر رجلٍ جعلها محور رسالته؟

لم تكن عنده متاعًا، ولا جاهًا، ولا تراكمًا للمقتنيات. كانت قيمةً أخلاقية، وحالةً من العز، وتعبيرًا عن كرامة الإنسان وإرادته. ولذلك قال: “الحياة عزٌّ وشرف! الحياة ليست سيارات، الحياة ليست مقتنيات!… وما هو الإنسان إذا كان مجردًا من قوة الحياة وجمال الحياة، ذليلًا مستعبدًا، يُساق بالعصا، فاقد الإرادة؟”[1]

وهذا هو السر الذي يجعل الثامن من تموز أكثر من ذكرى استشهاد قائد، وأكثر من مناسبة نستعيد فيها مشهد المحكمة والرصاص. فالرجل الذي سأل نفسه في مطلع شبابه: “ما هي قيمة الحياة بلا مبدأ؟ وما هي الحياة بلا مثل أعلى؟”[2]، كان قد حسم منذ تلك اللحظة معنى الحياة التي يريدها. لم يعد العمر عنده يُقاس بعدد السنين، بل بمقدار ما يملأه الإنسان من حق، وما يحققه من خير، وما يقدمه من عطاءٍ لأمته. ولذلك قال للكاهن الذي عرّفه قبل استشهاده: “أنا لا يهمني كيف أموت، بل من أجل ماذا أموت. لا أعدُّ السنين التي عشتها، بل الأعمال التي نفذتها.”[3]

لهذا، لم تكن وقفة العز في الثامن من تموز حادثةً استثنائية، ولا بطولةً عابرة فرضتها لحظة الإعدام، بل كانت الخاتمة الطبيعية لحياةٍ بدأت بالمبدأ، وسارت في طريق الواجب، ولم تعرف المساومة على الحق، ولا التراجع أمام الخطر.  وهكذا ختم حياته كما عاشها، مؤمنًا بأن “أعظم مغزى وأسمى معنى للحياة القومية الاجتماعية هو العز.”[4]

ولعل سرَّ عظمة سعاده لا يكمن في قوة خطبه وحدها، ولا في عمق فلسفته، ولا في عبقريته الفكرية والتنظيمية، بل في ذلك الانسجام النادر بين تعاليمه وسيرته. سرُّ عظمته يكمن في أخلاقه، وتواضعه، وصدقه، ونقائه، وفي ذلك الإيمان الذي لم يعرف المساومة. لقد عاش كما علَّم، ولذلك بقيت حياته أبلغ من كتبه أحيانًا. فما من مبدأ دعا إليه إلا وكان أول الملتزمين به، وما من تضحية طلبها من رفقائه إلا وكان أسبقهم إليها. لم يكن قائدًا يوجّه من بعيد، بل معلمًا يقود بالمثال، حتى وصفه رفقاؤه بأنه كان يجعل من جسده ترسًا يحمي النهضة.

ولذلك أنشأ الحزب ليكون مدرسة النهضة، لا مجرد تنظيمٍ سياسي. أراده الأداة التي تُنشئ الإنسان الجديد، الممتلئ علمًا ومعرفةً، الراسخ في عقيدته، المتين في مناقبه، المؤمن بالحرية، والنظام، والواجب والقوة. فقد أدرك أن نهضة الأمة لا تقوم بمجرد تغيير الحكومات أو تبديل الأنظمة، بل ببناء هذا الإنسان القادر على حمل رسالة النهضة وتحويلها إلى ثقافةٍ وسلوكٍ وحياة. وكانت معركته الكبرى مع الفردية، والطائفية، وسائر المثالب التي تُفسد المجتمع من داخله، لأنها تجعل المصلحة الخاصة تتقدم على مصلحة الأمة، وتفتح الطريق لكل احتلالٍ وكل تفكك.

ولهذا لم يُرِد حزبًا اعتياديًا غايته إكثار عدد أعضائه، كان يريد رجالًا يحملون المبادئ، ويجسدونها في سلوكهم قبل أقوالهم، ومبدعين في الفكر، ومتفوّقين في العلم، وأمناء في الأخلاق، كبارًا في نفوسهم قبل أن يكونوا كبارًا في مسؤولياتهم. لذلك كان يؤكد أنه لا يفرح بالكثرة لأن قيمة النهضة لا تُقاس بعدد المنتسبين إليها، بل بنوعية الإنسان الذي تُخرّجه.

واليوم، بعد سبعةٍ وسبعين عامًا على استشهاده، يبدو كأن الزمن لم يفعل إلا أن يؤكد صحة رؤيته. فالأخطار التي حذّر منها لم تتراجع، بل ازدادت استفحالًا. المشروع الصهيوني الذي رآه خطرًا على الأمة كلها ما زال يتمدد، والتجزئة ما زالت تستنزف قوتها، والطائفية ما زالت تمزق مجتمعها، والمثالب التي حاربها ما زالت تعيق نهضتها. وليس أشد إيلامًا من أن نرى كثيرًا مما استشرفه قد أصبح واقعًا نعيشه.

 كان يعلم أن مواجهةَ الأخطار لا تبدأ بالسلاح وحده، بل ببناء الإنسان الحر، صاحبِ المناقب، المؤمنِ بقضيته، الواثقِ بأمته، المستعدِّ لأن يجعل من حياته رسالة، لا مجردَ عيشٍ يطول أو يقصر. ولهذا بقيت نهضته، قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا، مشروعًا أخلاقيًا وحضاريًا لإحياء الأمة من الداخل.

وفي هذا الزمن الذي اختلطت فيه المقاييس، وارتفعت فيه الأصوات الصغيرة، وتراجعت فيه القيم الكبيرة، يطلُّ علينا سعاده، لا بوصفه ذكرى من الماضي، بل بوصفه حاجةً إلى المستقبل. يطلُّ علينا نموذجًا للإنسان الذي ينتصر على ضعفه، وللقائد الذي يبني الرجال قبل المؤسسات، وللمعلم الذي يغرس في النفوس الإيمان بالحياة الجميلة، حياة الحرية، والنظام، والواجب، والقوة.


[1] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، ملحق رقم 9، خطاب الزعيم في اللاذقية، 26/11/1948.

[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول 1921 – 1934، مذكرات، النهضة، بيروت، العدد 105، 01/03/1938.

[3] راجع مقالة ” حدثني الكاهن الذي عرّفه” للأديب سعيد تقي الدين.

[4] سعاده في الأول من آذار، فقرات من خطاب الزعيم في رأس بيروت بمناسبة أول مارس، كل شيء، بيروت، العدد 102، 121/3/1949.

د. ادمون ملحم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *