السعادية والحداثة

لا يستطيع أي «مجتمع» من مجتمعات الكرة الأرضية، أن ينتصر في المسائل المطروحة عليه لمعالجتها، من دون الحداثة، وهذا أمر مجرب تكراراً، في أصقاع الدنيا الأربع، فالحداثة ليست مفهوماً زمنياً فحسب، يعبر عن اضطرار أي «مجتمع» للأخذ بمستحقات العيش في الحاضر مهما كانت الثقافة العمومية فعّالة في درء وصول الحداثة إليه، بل هي أيضاً الظرف الثقافي المناسب لحل إشكالات الاجتماع البشري، الخفيف منها والمعقد، فلإيجاد الحلول على معيقات وربما معضلات العيش، وربما معضلات تأسيس المجتمع نفسه، يجب الأخذ بالحداثة، مهما كانت عسيرة على هضم الواقع الثقافي، الذي يقود إلى الخراب، بشكل واضح ومعروف للكافة، فلا إجابة على تساؤلات فساد الحياة العمومية، إلا بمعايير الحداثة، التي قدمت نماذج وحلول، هي أحسن ما يمكن الحصول عليه حالياً، وبرسم التطور دائماً، وهنا يبرز السؤال الذي يقضي بالنظر إلى أحوالنا، كتجمعات سكانية غير متمايزة «حداثياً»، هل تجاوزتنا الحداثة، وليس هناك من أمل باللحاق بعربة قطارها الأخيرة؟ خصوصاً  أننا مستحكَمون داخل عقد ثقافية لا سبيل لحلها، بالمدى المنظور، تلك العقد التي جعلت من الحداثة فرصة لن تتكرر، وسف نظل محكومون بالقدامة الثقافية التي لا تعرف للنظام شكلاً، سوى العنف والتعانف، حتى حدوث الغلبة للأكثر عنفاً، خصوصاً برعاية «الحداثي» ، الذي يعرف بأدواته الحداثية كيف يدير مصالحه، بواسطة عرقلة وصول الحداثة إلينا كمجتمع بمنع حد، ما دمنا راضين بأحوالنا التي تقضي بالمزيد من تعقّد مشكلاتنا، وغرقنا في أوحال العقم الثقافي، الذي رفضنا حتى الآن أن نراه، لا بل نرى بأنفسنا، أننا أحسن من الآخرين كل الآخرين، مثربين إنتاجاتهم المجتمعية، تحت شعارات الأخلاق الحميدة، التي كشفت فضائح الفساد مؤخراً في العراق (فقط) وكمثال غير إحصائي عن ماهية الثقافة التي تنتج هذه الشعارات.

لم تُظهر السعادية ( مقترح أنطون سعادة للنهضة)، كطرح حداثي أي  تحجر تفكيري تجاه الواقع، كما أنها لم تتشبث بأهداب الحداثة الغربية، التهمة الأكثر شيوعاً وتثريباً لكل مقترح يتجاوز القدامة، دون طرح أية أسئلة على الذات من قبيل في أية جغرافيا نعيش!، وحدوث المجتمع الذي اقترحته السعادية، لم يكن الغرب فيه إلا مختبراً تجريبياً محلياً، بينما الحداثة أصبحت عالمية، لكونها معرفة متجددة بأحوال البقاء، ليتطور سؤال من نحن؟، ليصبح لمن نعمل ولمن ننتج؟ في تعويل على حركة الدورة الاقتصادية الاجتماعية، في «دول» الأمة، المتمترسة بسايكسبيكويتها، من أجل إحداث مجتمع عابر مصالحياً بينها، ولعل المعارك التي دارت في وعلى هذه «الدول» وانهزمت جميعها على إثرها، عائد على إصرار هذه «الدول» على قطع هذه الدورة، ( لعل جامعة الدول العربية صورة عن هذه الإعاقات)، بما يعني إعاقة ومن ثم تدمير أية فرصة، لتماسك منطقة آشوريا، ( الشام والعراق)، عضوياً، بمعنى التساند الوجودي، فيتلقى كل كيان من كيانات الدورة الاقتصادية الاجتماعية الضربات لوحده، لا بل قد يستفيد شركاء هذه الدورة سياسياً من ضرب أحد أعضائها، في تعاكس تام مع المصالح المؤسسة للوجود المجتمعي، إن كان على مستوى الكيانات السياسية، أو على مساحة هذه الدورة جغرافياً، وعلى هذا المنوال التفتيتي، تصبح المسألة الفلسطينية تخص الفلسطينين فقط، وفوراً تأتي مرحلة ( حماس وفتح)، وكذا في لبنان والشام والعراق، حيث تصبح المسائل طائفية ومذهبية، تأخذ بفكرة الاجتماع الحداثي (المجتمع بمقترح السعادية) إلى عكس المأمول منه، أي مواجهة الفناء بالمعنى الإنساني، حيث تتفتت  مؤسِسات الوحدة السياسية المزعومة، لتتحول إلى وكالات حصرية لإدارة الهزائم.

تعاملت السعادية مع الحداثة كمنجز عالمي، وليس كطرح غربي يثير السخط عند القداميون لمجرد كونه غربي، وتصالحت مع المفاهيم التكنولوجية ( دولة، أحزاب، نقابات، مساءلة) للحداثة، التي اشترطت المساواة، لإحداث المجتمع وتوليد دولة منه، وهنا نلمس التناقض الصارخ، بين الحداثة كتكنولوجيا اجتماعية، وبين الحداثة كونها تكنولوجيا الفساد والإفساد، إعتماداً على ما تنتجه القدامة من ذهنيات تفترس نفسها، وفي أخر المطاف تركع صاغرة أمام منجزات الحداثة التي شتمتها ورفضتها، عملياً.

هذه «العملياً»، في إحدى تمثلاتها، حدث إعدام أنطون سعادة (8/7/1949)، عند بدء الحداثة الغربية بلملمة أطراف أوربا ( أوربا أخت قدموس في الأساطير السورية) لتصل في يومنا هذا إلى أوربا الموحدة في دورتها الاقتصادية الاجتماعية، المتمايزة بهوياتها الوطنية، ليبدو هذا الإعدام بمثابة الضوء الأخضر في مسيرة التخلف والهزيمة.

ليس أنطون سعادة وحده، فقد تعرض كثيرون من نقاد القدامة ومنتقديها، إلى الكثير من أنواع الإعدام، الذي أدى إلى تصفير الجدوى من الوجود الدنيوي، ومع هذا يستمر هبلاء الحداثة المعكوسة بهذيان الشتائم، والتثريب، بحق من فهموا الحداثة كمصلحة مجتمعية، بينما الذين لم يفهموا انتموا إلى الصغار التفكيري، وتعريف أنفسهم من خارجها. الحداثة ليست قدر، بل هي خيارين سلبي أو إيجابي، سنظل في مواجهته طول الزمان، ومن ثم سوف نلجأ للندم، ونعيد نفس طريقة التفكير الصغائري، لنصل إلى هزيمة «حداثية» لازمة، وملزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *