في قانون المجتمع ومنهج نهوضه
حين وضع أنطون سعاده كتابه «نشوء الأمم» سنة 1938، لم يكن يدافع عن فكرةٍ قومية، بل يقرّر قانوناً. فالأمة، في منهجه، ليست معطىً سابقاً على الاجتماع، ولا شعوراً يُوقَظ، ولا إرادةً تُعلَن، بل نتيجةٌ لعمليةٍ اجتماعية طويلة. ولذلك لم يبحث عن أصلها في الدم، ولا في اللغة، ولا في الدين، ولا في الإرادة المجرّدة؛ لأنّ هذه إمّا عناصرُ تدخل في التكوين ولا تصنعه وحدها، وإمّا مظاهرُ تظهر بعد التكوين لا قبله. إنّما ردَّها إلى الحياة نفسها: إلى تفاعل جماعةٍ من الناس واشتراكهم، اشتراكاً فعلياً مستمراً، في دورة حياةٍ واحدة داخل بيئةٍ طبيعية واحدة.
ومن هذا التقرير العلمي يتفرّع سؤالُ عصرنا: إذا كانت الأمم تنشأ بقانون، فهي تخضع لِما تخضع له كلُّ ظاهرةٍ حيّة؛ قد تنمو، وقد تعتلّ، وقد تتفكّك. والمجتمعات التي أصابها التفكّك لم تفقد دولها فحسب، بل فقدت قبل ذلك وحدةَ حياتها، ومصلحتَها العامة، ووجدانَها المشترك، حتى تقدّمت الولاءات الجزئية على المجتمع وهويته الجامعة. وهنا لا تعود المهمة فهمَ «نشوء الأمم»، بل البحثَ في «إعادة نشوئها»؛ لا بإعادة رسم الخرائط، بل باستعادة الشروط التي كوّنت الوحدة في الأصل.
أولاً: قانون النشوء — كيف تتكوّن الأمة
لا يبدأ سعاده من الأمة، ولا من المجتمع، بل من المتحد؛ أي من الوحدة الاجتماعية الحيّة التي يجمعها اشتراكٌ فعلي في دورة حياةٍ واحدة. المتحد هو الخليّة الأولى، ومنه ينطلق القانون في سلسلةٍ من الحلقات، تولّد كلُّ حلقةٍ ما بعدها.
فأساسُ الأمر التفاعل والاشتراك في الحياة الواحدة: وليس الاشتراك مجرّدَ التجاور في المكان، بل المشاركةَ الفعلية في دورةٍ واحدة — في الإنتاج والعمل، والتعليم والثقافة، والعمران، ودفع الأخطار، وتحقيق الأمن. فهذا التفاعل المتّصل هو المحرّك الذي منه ينشأ كلُّ ما بعده.
ومتى نضج هذا الإدراك، تحوّل من معرفةٍ عقلية إلى وجدانٍ اجتماعي؛ شعورٍ عميق بوحدة الحياة والمصير، يجعل من أفراد المتحد وحدةً حيّة لا مجموعَ أفراد.
ومن هذا الوجدان تنشأ عقليةٌ أخلاقية جديدة لا تقوم على الوعظ ولا على الإلزام، بل على اقتناع الإنسان بأنّ خير المتحد من خيره؛ فمسؤوليته تجاه الجماعة ليست تضحيةً يُكرَه عليها، بل تعبيرٌ عن حقيقة حياته المشتركة معها.
ومن هذه العقلية تتولّد الإرادة العامة، لا بوصفها إرادةً مفروضة من سلطة، ولا مجرّدَ مجموعِ الإرادات الفردية، بل بوصفها التعبير الواعي عن المصلحة العامة التي اكتشفها المتحد في مسار حياته.
فإذا استقرّت الإرادةُ عبر الزمن، أنتجت ثقافةً ومناقبَ وعادات ورموزاً وذاكرةً مشتركة، هي البنية الفوقية للمجتمع. وهنا يقلب سعاده ترتيب العلم المألوف: فالبنية الفوقية ليست أصلَ الحياة تُصاغ منها، بل حصيلتَها وتتويجَها.
ومن داخل هذه البنية تنشأ الهوية، بوصفها التعبير الثقافي والنفسي عن وحدة حياةٍ سبق أن تشكّلت على أرض الواقع في المتحد. وبذلك نبلغ حجرَ الزاوية في المنهج كلّه: الهوية ليست مقدّمةَ النشوء، بل نتيجتَه؛ فمن العبث أن نطالب مجتمعاً بهويةٍ لم نُعِد إليه أسباب نشوئها، إذ الخطاب قد يوقظ الذاكرة لكنّه لا يصنع الواقع.
ولا يقف القانون عند حدود المتحد الواحد. فالمتحد الحيّ يتّسع، فتتّصل دورةُ حياته بدورات متحداتٍ مجاورة، ويتكرّر القانون نفسه على مستوىً أرحب، حتى يتكوّن المتحد الأتم — أي المجتمع – الأمة: لا نقطةَ البداية، بل نقطةَ الوصول. وفيه يترسخ الاشتراك في الحياة المجتمعية الواحدة، والمصلحة المجتمعية العامة، والوجدان الاجتماعي، والعقلية الأخلاقية الجديدة، والبنية الفوقية، والهوية القومية الاجتماعية. وبهذا يفارق سعاده مَن سبقه: فروسو بدأ من الإرادة العامة، وماركس من الإنتاج، ودوركايم من التضامن، وآدم سميث من المصلحة الفردية؛ أمّا هو فبدأ من الحياة المشتركة، وردّ إليها كلَّ ما عداها.
ثانياً: قانون إعادة النشوء والمتحدات الحية
لما كان النشوء الأول قد استغرق آلاف السنين، فقد يبدو الحديث عن إعادته عبثاً. لكنّ الذي يُعاد ليس التاريخ، بل القانونُ الذي صنعه. فالتاريخ لا يُستأنف من الصفر، والأمم لا تبدأ من جديد؛ إنّما تُطلَق العمليةُ الاجتماعية نفسها من حيث ما تزال ممكنة. ومن هنا لا يختلف قانون إعادة النشوء عن قانون النشوء إلّا في نقطةٍ واحدة: نقطةِ الانطلاق.
فالمجتمع المتفكّك لا يفقد متحداته جميعها دفعةً واحدة؛ تبقى فيه متحداتٌ حيّة ما تزال قادرةً على النمو: حيٌّ، أو مدينة، أو مدرسة، أو جامعة، أو نقابة، أو مؤسسة اقتصادية. ومصيبةُ هذه المجتمعات ليست فقدانَ الهوية، بل فقدانَ القدرة على إنتاج الحياة المشتركة داخل متحداتها، والتفاعل الحي مع المتحدات المجاورة. فيتوقّف المتحد عن أداء وظيفته التاريخية: إنتاجِ المجتمع.
من هذه المتحدات تبدأ إعادةُ النشوء: لا بالقفز إلى المجتمع كلّه، ولا بالدعوة المجرّدة إلى الوحدة، بل بإعادة تنشيط قانون الحياة داخل كلّ متحدٍ حي، حتى يعود مدرسةً لإعادة إنتاج المجتمع؛ إذ العقلية الأخلاقية لا تُلقَّن بالمواعظ، بل تُبنى بالممارسة: فالإنسان لا يكتشف المصلحة العامة لأنّه سمع بها، بل لأنّه اختبرها في عملٍ مشترك.
والخطر ليس في تعدّد المتحدات، بل في انغلاقها؛ فإذا انقطعت بينها دورةُ الحياة تلاشت مصالحُها وتعارضت وعاد التفكّك. أمّا إذا بقيت حيّةً متفاعلة، صارت هي نفسها محرّكاتِ إعادة النشوء. وبذلك لا تكون النهضة فرضَ وحدةٍ من فوق، بل إطلاقَ القانون الذي به تُعيد المجتمعاتُ نشوءها بنفسها.

