غياب «القوّة القومية» في منطقتنا، يعرّض ثرواتها للنهب، ويحوّلها إلى كرة قدم في ملعب الأقوياء.
تقف الشعوب المقهورة أمام ثرواتها المنهوبة، تئنُّ بطونها من الجوع، وتنزف دماءها من القهر، وتغلي عروقها من التيبّس والنشاف والحرمان، وتضيع حقوقها المشروعة في تقرير المصير ورسم معالم المستقبل.
هذا هو مشهد العالم في هذا الزمن التعيس.
عالمٌ يقوم على مبدأ القوة وتوازناتها، ولا مكان فيه لعبارات العدل والحقّ والمساواة، حتى ولو كان كل ذلك مستنداً على القوانين والأعراف الدولية وقرارات الأمم المتحدة الذي يجفّ حبرها قبل أن تبصر النور. بعدما باتت عبارات مجوّفة وفارغة من أي مضمون.
فإذا كنت مسلّحاً بالمخالب والأظافر والأنياب، فمكانك محفوظ على الخارطة.
أمّا إذا كنت من المنادين بالعدالة والحقوق والأخلاق والقيم، فمكانك بين أقدام «الكبار» الذي يملكون العصا السحريّة…. عصا القوّة، التي تُمسك بناصية القرار ولها الوصاية كاملةً على حاضرك والمستقبل.
في قراءة كتابات أنطون سعادة، مؤسّس الحركة السورية القومية الاجتماعية
يلفت النظر تكراره مراراً عباراته عن مفهوم «القوّة »:
«المجتمع معرفة، والمعرفة قوّة».
«القوّة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره».
«إن كُنتُم ضعفاء، وقيتكم بجسدي، وإن كُنتُم جبناء، أقصيتكم عنّي، وإذا كُنتُم أقوياء، سرتُ بكم إلى النصر».
«إنّ الحق القومي لا يكون حقّاً في معترك الأمم، إِلَّا بمقدار ما يدعمه من قوّة الأُمَّة«
«إنّنا نريد حقوقنا كاملةً بالقوّة، ونريد الصراع مع المتصارعين، لنشارك في إقامة السلام الذي نرضى به»
واللائحة تطول، والأسئلة تتراكم وتتكاثر…. اما لماذا هذا التشديد على عامل القوّة من قبل أنطون سعاده؟ ولماذا هذا الشغف بالقوّة؟
طال بِنَا الوقت لندرك ما أراده هذا الإنسان، وغلّف غبار الأزمنة والسنين على الكثير من كتاباته وأقواله، وأبحاثه، وفكره، وعقيدته.
وها نحن اليوم ندفع الأثمان غاليةً:
وها هي المنطقة التي شغلت عقله ووجدانه عراقاً وشاماً ولبناناً وفلسطيناً، غارقةً في أزماتها، وما تبقّى من شعوبها يكافح من أجل لقمة العيش تحت حصار «الكبار»
و«قوَّتِهم» وغطرستهم وفجورهم.
وها هي الأُمَّة التي استشهد في سبيل نهضتها وعزّتها تئنُّ تحت سياط الجلّادين ونحن غارقون في انقساماتنا، وطوائفنا، ومذاهبنا، وكيانيتنا. وها هي مخالب الأقوياء تغرز أظافرها في لحوم أطفالنا وشبابنا ونسائنا.
وها هو الاحتلال الصهيوني يُمعن في توسّعه واستيطانه واغتصابه للأرض والماء والثروة النفطية، وانتهاكه لأدنى مقوِّمات الحقوق الإنسانية والبشرية.
وها هي قوانين «الأقوياء» من «قانون قيصر» الذي ابتدعه ملك الغابة «دونالد ترامب»، واتفاقيات «ابراهام»، إلى قوانين القياصرة الصغار في السعودية والإمارات والبحرين، تُمعن في حصارنا وتجويعنا وقهرنا.
أما آن الأوان لندرك أنّنا نأكل من الخبز الذي عجنّاه بطحين انقساماتنا وتشرذمنا؟
أما آن الأوان لندرك أن ثدْيّ الطائفية الذي نشأنا على الرضاعة منه، حليبُه فاسدٌ وعفِنْ.
أما آن الأوان لندرك أنّ خرائط التقسيم التي ارتسمت في الاتفاقيات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، من جنيڤ، إلى ڤيينا، إلى وعد بلفور، إلى سان ريمو، إلى.. إلى.. إلى. حوّلتنا إلى زرائب صغيرة تقتات على فضلات موائد أولئك «الكبار».
لقد طال الانتظار…فمتى يحين الوقت وطناً ومغترباً؟؟؟؟


