من الصعب على المؤرخ أو الباحث أن يجيب بيقين عن سؤال افتراضي يتعلق بالماضي، لكن من حقنا أن نتساءل: ماذا لو أصبح الفكر السوري القومي الاجتماعي هو الفكر السائد في سورية الطبيعية منذ منتصف القرن العشرين؟ ماذا لو نجح مشروع النهضة القومية في بناء الدولة والمجتمع قبل أن تتجذر الانقسامات والحروب والتجزئة؟
ربما كان أول ما سيتغير هو مفهوم الهوية. فبدلاً من الصراعات التي استنزفت المنطقة بين الهويات الطائفية والمذهبية والعشائرية والإثنية، كانت الهوية القومية السورية ستتحول إلى الإطار الجامع لجميع مكونات المجتمع. عندها كان المواطن سيعرف نفسه أولاً من خلال انتمائه إلى الأمة ومجتمعه ودولته، لا من خلال انتماءاته الجزئية الضيقة.
على المستوى السياسي، كان من الممكن أن تتجه المنطقة نحو بناء دولة مدنية حديثة تستند إلى مبدأ المواطنة والكفاءة. فالفكر السوري القومي قام على فصل الدين عن الدولة واحترام المعتقدات الخاصة، مع اعتبار الشأن العام قضية وطنية لا طائفية. ولو ترسخت هذه المبادئ مبكراً، لربما تجنبت المنطقة كثيراً من الحروب الأهلية والانقسامات التي ضربت لبنان، والعراق، وسورية وفلسطين.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن وحدة الهلال الخصيب كانت ستخلق واحدة من أهم الكتل الاقتصادية في الشرق الأوسط. فالعراق يمتلك ثروات نفطية هائلة، و«سورية» تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وزراعة متنوعة، ولبنان يملك خبرات مالية وتجارية واسعة، وفلسطين تمتلك موقعاً اقتصادياً وحضارياً بالغ الأهمية، فيما يشكل الأردن حلقة وصل جغرافية حيوية.
ولو تم دمج هذه الموارد ضمن سوق اقتصادية واحدة، لكان الناتج الاقتصادي أكبر بكثير من مجموع الاقتصادات المتفرقة الحالية. وكانت الموانئ السورية واللبنانية ستعمل كمنفذ طبيعي لثروات الداخل العراقي، فيما كانت شبكات النقل والطاقة والتجارة ستربط المنطقة ضمن دورة اقتصادية متكاملة.
وفي المجال الاجتماعي، كان من الممكن أن تتراجع الانقسامات الموروثة التي غذتها عقود من الصراعات السياسية والاستعمارية. فالفكر السوري القومي طرح مفهوم المجتمع الواحد الذي يتسع لجميع أبنائه، ويرى في التنوع الثقافي والديني مصدر غنى لا سبباً للتناحر.
وعلى المستوى العلمي والثقافي، كان توحيد الموارد البشرية والجامعات ومراكز البحث قادراً على خلق نهضة علمية حقيقية. فالمنطقة تمتلك تاريخاً طويلاً من الإبداع الفكري والثقافي، لكنها استنزفت جزءاً كبيراً من طاقاتها في النزاعات الداخلية والهجرات المتكررة.
أما في السياسة الخارجية، فربما كانت دولة الهلال الخصيب الموحدة أكثر قدرة على حماية مصالحها ومواجهة الضغوط الإقليمية والدولية. فبدلاً من كيانات صغيرة متفرقة تبحث كل منها عن حليف خارجي يحميها من جيرانها، كان من الممكن أن تظهر قوة إقليمية مستقلة تستند إلى عمقها البشري والاقتصادي والجغرافي.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن نجاح أي مشروع فكري لا يعتمد على صحة أفكاره فقط، بل على قدرة القوى السياسية والاجتماعية على تطبيقها. فحتى لو ساد الفكر السوري القومي، كانت ستبقى هناك تحديات تتعلق بالإدارة والحريات والاقتصاد والتوازنات الإقليمية. غير أن الفكرة الجوهرية تبقى أن مشروع الوحدة القومية كان سيمنح شعوب الهلال الخصيب فرصة تاريخية لبناء قوة سياسية واقتصادية واجتماعية أكبر بكثير مما أنتجته عقود التجزئة والصراعات.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت أزمات القرن الماضي نتيجة حتمية لطبيعة المنطقة، أم أنها كانت نتيجة غياب مشروع قومي جامع قادر على تحويل التنوع إلى قوة، والجغرافيا إلى دولة، والتاريخ إلى مستقبل؟ المجد لسورية.
إبراهيم الدن

