مفاوضات «حائك السجّاد» وإدارة التوازنات مع الوحش!؟

في عالم السياسة الدولية، كثيرًا ما تسير الدبلوماسية على حافة الهاوية، حيث تتجاور لغة التفاوض مع قرع طبول الحرب، وتتداخل رسائل التهدئة مع إشارات القوة والردع.

غير أن وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عباس عراقجي يكشف لنا في كتابه «قوة التفاوض» من منظور آخر مقارن، يرى فيه أن التفاوض ليس مجرد تقنية إجرائية، بل ممارسة سيادية تتقاطع فيها المدارس الواقعية والبنيوية والتاريخية مع الثقافية والوطنية، بل هو فنّ صبر وإدارة للتوازنات والاستراتيجيات المعروفة بـ«أسلوب البازار»؛ ما منح المفاوض قيمة مميزة في الحوار النقدي مع الأدبيات الغربية عن الدبلوماسية.

فالنموذج الإيراني الذي يستلهم تقاليد «مساومة البازار»، القائم على المراوغة والصبر والانطلاق بمطالب مرتفعة، يُظهر كيف يمكن للثقافة أن تتحوّل إلى أداة عملية للصمود أمام القوى الكبرى.

مشروعان ورؤيتان

يمكن التأكيد، أنَّ الاتفاق الأميركي-ـ الإيراني، لن يكون مجرد وثيقة دبلوماسية، بل ربما يكون إعادة رسم جزئية لتوازنات القوة في الشرق الأوسط، فهو هو ليس اتفاقًا بين دولتين فقط، بل بين مشروعين ورؤيتين متناقضتين لطبيعة النظام الإقليمي. ومن هنا، فإن فهم مجالات هذا الاتفاق، لا يعني فقط فهم بنوده، بل فهم الصراع الأوسع الذي يدور خلفه؛ صراع النفوذ، والهوية، والمصالح، الذي لن ينتهي بتوقيع اتفاق، بل سيستمر بطرق أخرى.

قبل ميثاق الأمم المتحدة كان للدول حرية تسوية منازعاتها عن طريق القوة العسكرية إذ كانت هذه القوة واستخدامها من أهم مظاهر السيادة آنذاك، وبعد هذا الميثاق، تغيّر المنظور المؤطّر لتسوية النزاعات؛ إذ أصبحت الدول في القانون الدولي الحديث ملزمة بتسوية منازعاتها بالطرق السلمية التي تنقسم إلى وسائل مباشرة بين الأطراف المتنازعة مثل التحقيق والقضاء والتحكيم والمفاوضات، فالسلوك التفاوضي يمثل صميم العلاقات الدولية، والتي تعبّر عن تفاعلات بين مختلف فواعل النظام الدولي في شتى المجالات، وهذه التفاعلات تفرض شدًّا وجذبًا بين مختلف تلك الأطراف المعنية، كما تفرض بدورها إما توافقًا للمصالح أو تعارضًا فيها، ففي حالة التوافق تلجأ هذه الأطراف إلى التعاون وتوحيد نفوذها وما توفر لها من قوة لتحقيق مصالحها المشتركة، أما في حالة التعارض والتصادم في المصالح فتجد تلك الأطراف المعنية نفسها أمام خيار «التفاوض»، والذي يبنى غالبًا على مسألة تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر، وفي سبيل ذلك، توظف الأطراف المعنية ما توفر لها من إمكانيات ونفوذ، اعتمادًا على مكانتها وعلاقاتها من جهة، وعلى وسائل القوة الصلبة والناعمة المتوفرة لها من جهة أخرى.

وتعددت التعاريف حول مصطلح التفاوض، فهو توظيف مختلف الآليات والتقنيات العقلانية والنظامية لمحاولة تحديد وتنسيق المصالح المتعارضة، في صيغة شفوية أو مكتوبة ما دامت تتيح لمختلف الأطراف التعبير عن آرائهم في سياق الحوار الجاري بينها.

وقد عرفه روبرت بوند Robert Bond بأنه «عملية بين متنازعين أو أكثر من أجل التوصل إلى اتفاق أو صفقة، بحيث يسعى كل طرف للحصول على أقصى حد من المنافع في هذا الاتفاق أو الصفقة».

ومن هنا، يمكن تعريف التفاوض على أنه «موقف تعبيري حركي قائم بين طرفين أو أكثر حول قضية من القضايا يتم من خلاله عرض وتبادل وتقريب ومواءمة، وتكييف وجهات النظر، واستخدام أساليب الإقناع كافة للحفاظ على المصالح القائمة أو الحصول على منفعة جديدة بإجبار الخصم بالقيام بعمل معين أو الامتناع من عمل معين في إطار علاقة الارتباط بين أطراف العملية التفاوضية تجاه أنفسهم أو تجاه الغير».

الكذب «الترامبي»

في الأنظمة السياسية المعاصرة تمر عملية اتخاذ القرارات الكبرى بسلسلة طويلة من الحسابات والتوازنات والمراجعات، تجعل عملية صنع القرار السياسي أشبه بمنتج يدخل خط سير داخل مصنع كبير، ففي هذا المصنع تتعدد الجهات التي تتدخل في تشكيل القرار، وتتباين وجهات النظر التي تسعى إلى التأثير فيه، وتتداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة تجعل المنتج النهائي مختلفًا أحيانًا عما كان مخططًا له في بدايته.

المشكلة الأكبر تظهر عندما تتحول اللغة السياسية إلى أداة لتزييف الوعي الجمعي، فحين يتكرر الكذب «الترامبي» بصيغ التفاهة، يبدأ البعض بتقبّله كحقيقة، ومع الوقت يصبح من الصعب التفريق بين الخطاب الدعائي والواقع الحقيقي، هنا تفقد الكلمات معناها الأصلي، وتتحول إلى أدوات لإدارة الرأي العام بدل توعيته.

وفق هذه المعادلة فالسياسي غالبًا لا يقول ما يفكر فيه مباشرة، فعادة ما يلجأ الى البحث عن الكلمات التي تمنحه مساحة للهروب من الحقيقة، فعندما تنهار الخدمات الأساسية، يعمد القائمون على العملية السياسية إلى تبرير ذلك بالقول هناك تحديات كبيرة قادت إلى هذه النتائج، وكذلك عند ارتفاع معدلات الفقر والبطالة يعزى ذلك إلى تقلبات السوق والأوضاع الاقتصادية في البلد وليس إلى فشل السياسات الحكومية في هذا القطاع، وهنا استخدم التزويق اللغوي إلى تجميل الواقع المأسوي والوضع المتدهور.

التفاوض هو فن وعلم يهدف إلى التوصل إلى اتفاقيات مُرضِية بين أطراف ذات مصالح متباينة. في العمل السياسي، يُعدّ التفاوض أداة أساسية لإدارة الصراعات، بناء التحالفات، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

سواء كان الأمر يتعلق بصياغة سياسات عامة، حل نزاعات دولية، أو التوصل إلى تسويات داخلية، فإن مهارات التفاوض تُشكل العمود الفقري للنجاح السياسي.

دبلوماسية حائكي السجاد

ظلّ مضيق هرمز مرآة لمسار المفاوضات حتى رضخ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وانحنى أمام دبلوماسية حائكي السجاد، وقد انكشف مسار المفاوضات في «الشرق الأوسط»، وحدود النفوذ الإيراني، ومدى ضعف النظام الدولي للدفاع عن حرية الملاحة في مواجهة منطق قوة الحق.

وإذا كانت الأزمة قد كشفت شيئًا أساسيًّا، فهو أن الاستقرار الحقيقي في الخليج لا يمكن اختزاله في مرور السفن وحده، بل تطلب معالجة أعمق لقواعد الأمن، والردع، والمشاركة الإيرانية في صنع القرارات التي تحدد مصير المنطقة بحيث لم يعد بالإمكان النظر إلى هرمز بوصفه مجرد ممر قابل للتأثر بالظروف، بل باعتباره أحد أهم أصول القوة الإيرانية وأكثرها رسوخًا، لأنه مرتبط بجغرافيا لا يمكن انتزاعها من إيران أو تجاوزها بسهولة. 

أكدت طهران في مواجهتها للهيمنة «الصهيو أميركية» أن مضيق هرمز لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، بل أصبح أيضًا مركزًا لإعادة تعريف مفهوم الردع غير النووي، ومجالاً تتقاطع فيه القوة الجغرافية بالقانون الدولي، وحسابات الأمن الإقليمي بمصالح الاقتصاد العالمي.

وفي حين تبدو بعض القوى الكبرى معنية قبل كل شيء بإعادة فتح المضيق وتأمين تدفق الطاقة، فإن دول الخليج بدت أكثر انشغالاً بالسؤال الأعمق: هل تؤدي التسويات الجزئية إلى تكريس اختلال أمني طويل الأمد يجعل أمنها مرهونًا بترتيبات لم تشارك فعليًّا في صنعها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *