الهوة ….

شئنا أم أبينا، هناك فوارق تمييزية، بين الاجتماعات البشرية المتنوعة، وهي فوارق بطرائق التمدن، والتحضر، والثقافة، وهي فوارق مفرزة من مثلث الحياة في هذه الدنيا ( العقل + الجسد + البيئة)، هذه الفوارق الإجبارية، لا تجعل من أي اجتماع بشري قائداً أو نبراساً للاجتماعات البشرية الأخرى، فالعقول هي ناتج العلم والتفاعل معه لإنتاج المعرفة من أجل تدبر الأحوال والأحوال في عامة النظر هي أحوال بيئية دنيوية لا يمكن ترويضها إلا بالاستزادة من العلم الدنيوي التجريبي، والجسد هو ترجمان البيئة من مأكل وملبس ومشرب، أما البيئة فهي الظرف المكاني الذي يشكل العيش اليومي للعقل والجسد،

ومع اختلاف البيئات تختلف المنتجات العقلية والجسدية، مما يصنع اجتماعات بشرية متفاوتة الاختصاصات، لا يمكن لواحدها أن يتفوق قيمياً عن أي اجتماع بشري آخر مهما كان السبب، وعلى هذا الأساس (عدم التفوق) تبدو التمدنات والتحضرات  والثقافات، أن تكون تكاملية بالضرورة، وإلا جنحت هذه الاجتماعات البشرية إلى القتل والتقاتل، ولا وسيلة موجودة حتى الآن تمنع هذا الإفناء المتبادل، إلا وسيلة التبادل التمدني/ التحضري/ الثقافي، الذي لا يحتاج إلى الحروب والقتال، ليسري في شريان الاجتماعات البشرية، كمكسب يوفر السلام والهناءة للسكان، ولعل وهم قيادة العالم، مصلحياً، أو قيمياً، أو حتى أيديولوجياً، هو سبب سيلان الدماء في كل المراحل التاريخية حتى يومنا هذا.

المسألة ليست مسألة قبول الآخر، فهذه تجاوزها العالم المتمدن والمتحضر وصارت جزءاً من ثقافته، وكذلك هي ليست تمييز معاكس لجلد الذات فهذه أيضاً صارت جزءاً لا يتجزأ من النقد والانتقاد الذاتي داخل الاجتماعات البشرية، ولكن المسألة هنا هي تلك الهوة العميقة التي تفصل اجتماعاتنا البشرية، عن نوعية اجتماعات العالم، وليس عن نوع وكيفية اجتماع آخرين نختلف نحن عنهم، هذه الهوة تبدأ بعدم القدرة على التكامل مع تمدن وتحضر وثقافة هؤلاء الآخرين، ضمن مفاضلة بلهاء، تقود بالضرورة إلى القتال، بإمكانيات فاتها أن تتكامل مع الآخرين، من أجل البقاء والاستمرار. وهذه ليست نظرية أخلاقية، بل منتجات تفكيرية للعيش والبقاء، فالرفض لتمدن وتحضر وثقافة الآخرين، يجعل من استهلاك منتجات هؤلاء الآخرين بمثابة إهانة عميقة، تردها بنسب السبق والفضل لنفسك في رؤيا تفاضلية لإنجاز الآخرين، ولكنك في الواقع، مجرد كيان ضعيف المحتوى قادر على التخريب والعرقلة، وليس على الإعمار والارتقاء، مهما أطلت شرح نفسك، كمبررات لاندفاعك نحو تخريب العامر، كي يتناسب مع نظرتك لمنتجات الآخرين، وأنت غير قادر على الإنتاج، وهذا تحديداً ما يصنع الهوة، التي يجب ردمها للوصول إلى ما حققه الآخرون.

الهوة،هي تلك المسافة القيمية، التي تعيق الإنتاج والإنجاز، بذريعة أن الآخرين على باطل، على الرغم من كونهم على صواب، مما يحول انتصار الأيديولوجيا إلى وهم أخرق، إذ لا وجود له، ولا مكان في عمليات التفاعل الاجتماعي، المسمى، إنتاجاً، أو اجتراح الثروة، التي في صوابية توزيعها يكمن الارتقاء والاستمرار، لقد كان الاتحاد السوفييتي منتصراً على الدوام حسب معايير الإيديولوجيا، ولكنه تحلل من تلقاء نفسه، أثناء معركة تحدي التمدن والتحضر والثقافة، أو ما سمي بالحرب الباردة، إننا نتكلم هنا عن بناء الإنسان المجتمع، وليس عن إرساء أولويات الأيديولوجيا، ومن ثم تفاصيلها، بانتظار أن تنتج الحقول محصولاً يكفي لسد الرمق، حيث تظهر على سطح هذا الاجتماع المحشي بالأيديولوجياً، أداءات الصراع الفردي من أجل البقاء، وهنا يبدو الفساد والإفساد عنواناً عريضاً لجوهر الاجتماع الممتنع عن التكامل عن الآخرين.

وعلى هذا، تبدو الهوة قابلة للاتساع أكثر فأكثر، لدرجة تصبح معها غير قابلة للعكس، متمظهراً بالعنف بكافة صوره، الرمزية والمشخصة، فحرمان اجتماع بشري من الكهرباء (مثالاً تبسيطياً) في العصر الحديث، يعني منع هذا الاجتماع من التحول والارتقاء إلى مجتمع (سوسايتي)، لا لشيء، فقط لأن الكهرباء هي مصلحة جمعية، تدفع أعضاء الاجتماع على التسالم والعمل لإنتاجها خدمة لمصالحهم، لأن عكس الكهرباء هو ما ينتمي إلى مرحلة سابقة من التطور البشري، وعدم وجود اجتماع على المصالح، هو بذاته هزيمة بتواطىء أعضاء الاجتماع على الوقوع بها، فهم في مداركهم الاجتماعية الأيديولوجي منها والعملاني، وبالتالي ثقافتهم الكامنة خلف سلوكياتهم الإستعلائية، عبارة عن خليط غير مندمج يعيش على الشحاذة، وإذا لم تكفِ، فيلجأ إلى ابتزاز الآخرين، حتى تأتيه خبطة تمدنية، لا يستطيع القيام بعدها،  هذه هي الهوة التي عاشتها وتعيشها بلدان الساحل الشرقي للمتوسط، رغم جميع الإشارات التي وصلتها عن طرائق العيش على الكرة الأرضية.

بهذه الإمكانيات الأيديولوجية والعملانية، لن تردم الهوة بين هذه البلدان وهذا العالم برمته، بتمدنه وتحضره وثقافته، ربما مؤشرات الهجرة ماثلة أمامنا كتعبير عن أدائنا في هذا المجال، ومن أهم هذه المؤشرات، مؤشر نوعية البلدان التي توجهت إليها هذه الهجرات، والفارق هنا عن حالها في أوطانها هي الدساتير والقوانين، التي تضع الكرامة الإنسانية في أعلى أولوياتها، وترتقي بحياتها، بالتكامل مع التمدن والتحضر والثقافة، العالمية، دون خوف أو وجل على الأيديولوجيا مهما كانت فريدة، لإنها ستتحلل حكماً بعد أداءها لدورها التفاضلي، في صناعة الهوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *