بينما تنشغل الساحة الدولية بملفات صراعات مشتعلة في جبهات عدة، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغطه على كوبا على الرغم من حربه على إيران، مؤكداً في عدة مناسبات أن «كوبا ستكون التالية». فتاريخ الصراع بين كوبا والولايات المتحدة الاميركية ليس وليد الساعة، بل هو مواجهة جيوسياسية واقتصادية بدأت منذ الثورة الكوبية عام 1959 ولا زالت مستمرة حتى اليوم رغم تغير الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
تخوض كوبا، تلك الدولة الصغيرة، توترات تاريخية مع قوة عظمى. فهي لا تبعد سوى نحو 145 كيلومتراً عن فلوريدا. ويبلغ عدد سكانها نحو 10 ملايين نسمة. ومنذ خمسينيات القرن الماضي ما زالت صامدة في وجه الهيمنة الأميركية التي لا توفر فرصة إلا وتضع فيها مخططات الاستيلاء عليها بحجة المحافظة على حقوق الكوبيين وحريتهم، مما يشكل نقاط احتكاك رئيسية ومستمرة. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أوضح دونالد ترامب رغبته في تغيير القيادة في هافانا، وألمح علناً إلى أن كوبا «على وشك السقوط».
من بين أسباب الصراع بين الطرفين تأميم كوبا مصافي النفط والممتلكات الأميركية بعد الثورة التي قادها رئيسها الراحل فيدل كاسترو عام 1959، وهذا ما أدى إلى بداية المواجهة الفعلية بين الطرفين. ثم كانت المحاولة الفاشلة المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) لإسقاط النظام الثوري من خلال ما عرف بغزو خليج الخنازير عام 1961. وفي عام 1962 نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية في كوبا، فكاد هذا العمل أن يؤدي إلى حرب نووية، وانتهت الأزمة بتعهد أميركي بعدم غزو كوبا مقابل سحب السوفييت لصواريخهم.
ولطالما شهدت كوبا محاولات أميركية لإثارة اضطرابات داخلية فيها. فتارة تفرض الولايات المتحدة حصاراً متعدد الأوجه على هذه الجزيرة، منها الاقتصادي ومنها التجاري وكذلك المالي منذ عام 1960، وتارة تصفها «كدولة راعية للإرهاب» مما يزيد من عزلة كوبا المالية فتجد نفسها أمام صعوبة التعامل مع الأسواق العالمية.
على خط آخر تشهد العلاقة بين الطرفين تصعيداً تكون الولايات المتحدة هي الساعية إليه من خلال تقارير عن سيناريوهات مواجهة غير مسبوقة وتحذيرات متبادلة. اليوم وعلى لسان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل تدرس الولايات المتحدة 3 سيناريوهات ضد كوبا، تشمل تهيئة الظروف لانفجار اجتماعي عبر ضغوط اقتصادية من أجل التدخل في البلاد تحت غطاء المساعدات الإنسانية. أما السيناريو الثاني الذي تسوّق له فهو تغيير النظام في الجزيرة. ويبقى اللجوء إلى عدوان عسكري هو السيناريو الثالث.
في الأشهر الأخيرة صعّدت إدارة ترمب ضغوطها على هافانا، خصوصاً بعد إطاحتها بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني الماضي، وقال ترامب إن هافانا قد تكون هدفه التالي. وقد ذهب إلى فرض حصار فعلي على إمدادات الطاقة إلى كوبا منذ شباط الماضي، وكان في كانون الثاني أمر بفرض عقوبات ورسوم جمركية على أي دولة تُصدّر النفط إلى كوبا. وأدى ذلك إلى توقف دول مثل المكسيك فعلياً عن إرسال شحناتها المعتادة إلى هافانا. وكانت كوبا تعتمد سابقاً على حليفتها التاريخية فنزويلا في معظم وارداتها النفطية، لكنها فقدت هذا الشريان الحيوي بعد العملية العسكرية الأميركية التي أطاحت بالرئيس مادورو وفرضت سيطرة واشنطن على إنتاج النفط الفنزويلي. كل هذه العوامل فاقمت أزمة المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي ونقص الغذاء في كوبا، ما أدى إلى شلل في المستشفيات والخدمات الأساسية.
في هذا الوقت أعلن العديد من الشركات الأجنبية، بما فيها مجموعات فنادق دولية انسحاباً جزئياً أو كلياً من كوبا، خوفاً من عقوبات أميركية محتملة. وأعلنت الولايات المتحدة حزمة عقوبات استهدفت كيانات و11 مسؤولاً كوبياً، بينهم وزير الاتصالات وعدد من القادة العسكريين وجهاز الاستخبارات الرئيسي في البلاد، بالإضافة إلى توجيه القضاء الأميركي لائحة اتهام بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو في قضية تعود إلى عام 1996. كما سبق أن استهدفت واشنطن مجموعة إدارة الأعمال «غايسا»، وهي تكتل اقتصادي تديره القوات المسلحة الثورية الكوبية، في إطار مساعٍ أميركية للضغط على المؤسسات المرتبطة بالجيش الكوبي.
وذهب ترامب إلى التهديد بتنفيذ ما وصفه بـ «استحواذ ودي» على كوبا، إذا لم تفتح قيادتها الاقتصاد أمام الاستثمارات الأمريكية وتطرد خصوم واشنطن. في المقابل اتهم خبراء أمميون الولايات المتحدة باتباع «ممارسات استعمارية» في تعاملها مع كوبا، معتبرين أن محاولات زعزعة استقرار الجزيرة تأتي ضمن إستراتيجية قائمة على «الإكراه»، بهدف التأثير على نظامها السياسي. وحذر هؤلاء من أن تشديد العقوبات والحصار النفطي، والملاحقات القضائية والتصعيد العسكري في محيط الجزيرة، تمثل تهديداً لسيادتها وتثير قلقاً بالغاً على الاستقرار الإقليمي والدولي.

