ليس هناك من يعارض الإنماء أو النهوض الاقتصادي في أي منطقة من لبنان، ولا من يقف ضد تنمية الشمال وتوفير فرص العمل لأبنائه، أو ضد تسهيل حركة السفر والتنقل للمواطنين، أو ضد أي مشروع يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني. بل على العكس، فإن تفعيل مطار القليعات، وتوسيع مرفأ طرابلس، وإعادة إحياء معرض رشيد كرامي الدولي، وسائر المشاريع الإنمائية الجدية، تشكل مطالب مشروعة وضرورية لتحقيق تنمية متوازنة طال انتظارها في الشمال اللبناني.
غير أن تأييد مبدأ الإنماء لا يعني إعفاء أي مشروع من النقاش أو المساءلة، ولا يمنع من طرح الأسئلة حول خلفياته وأهدافه وتوقيته والجهات التي تقف وراءه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشاريع ذات أبعاد استراتيجية أو أمنية محتملة تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية البحتة.
وإذ يبرز مشروع مطار القليعات فهو ملف يستحق نقاشا أعمق من مجرد الحديث عن التنمية أو فرص الاستثمار أو العوائد المالية المتوقعة. فالمشروع ليس وليد اليوم، بل هو فكرة قديمة طرحت منذ سنوات في سياقات سياسية واستراتيجية معروفة، وتقاطعت في مراحل مختلفة مع رؤى ومسارات ارتبطت بمراكز نفوذ ومصالح أميركية في المنطقة.
واليوم، يعود هذا الملف إلى الواجهة السياسية في عهد حكومة نواف سلام، فيما يتصدر زياد المنلا جانبا أساسيا من مسار تنفيذه. وهنا يلفت الانتباه تكرار الأسماء نفسها في عدد من المشاريع التي ارتبطت خلال العقود الماضية بملفات أمنية أو استراتيجية حساسة.
فمنذ دخوله إلى العراق عام 1999 إلى جانب عدد من الشخصيات اللبنانية والعراقية المعروفة، مرورا بالمشاريع التي أطلقت بعد سقوط النظام العراقي، وما أثير حول بعض العقود المرتبطة بقطاع الاتصالات العسكرية، ثم مشاريع أمن بيروت ومحيط مطار بيروت ومرافقه الخارجية، وصولا إلى مشروع مطار القليعات اليوم، يتكرر حضور الأسماء نفسها في محطات متشابهة من حيث طبيعة الملفات المطروحة وأبعادها.
ومن هنا، لم يعد مستغربا أن يربط كثيرون بين هذه المشاريع وبين أدوار تتجاوز البعد التجاري أو التقني البحت، وأن ينظروا إليها من زاوية سياسية وأمنية أوسع، خصوصا في ظل طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة.
أما من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن فكرة مطار القليعات بصيغته المطروحة حاليا تثير بدورها عددا من التساؤلات. فالموقع يفتقر إلى جزء كبير من البنية التشغيلية المتكاملة التي يحتاجها أي مطار مدني قادر على المنافسة وتحقيق عوائد مرتفعة، سواء لجهة مباني المسافرين أو الخدمات اللوجستية أو التجهيزات التشغيلية المساندة. كما أن نجاح أي مطار لا يرتبط بالمدرج وحده، بل بمنظومة متكاملة تشمل البنية التحتية وشبكات النقل وحجم النشاط الاقتصادي والتجاري والسياحي القادر على توليد حركة سفر مستدامة أو حركة اقتصادية مكتملة الشروط.
لذلك، فإن تقديم المشروع باعتباره فرصة استثمارية استثنائية من الناحية التجارية وحدها يبدو أمرا يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتدقيق، ويبرر طرح تساؤلات مشروعة حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء إعادة إحياء هذا الملف في هذا التوقيت بالذات.
ومن هنا يبرز احتمال أن يكون البعد السياسي والاستراتيجي أحد العناصر الأساسية في المشروع. فوجود مدرج جوي جاهز وقابل للاستخدام السريع قد يكتسب أهمية خاصة في ظروف استثنائية، سواء في حالات الطوارئ أو في حال تعرض مطار بيروت لأي تعطيل أو إقفال نتيجة تطورات أمنية أو عسكرية أو سياسية، أو في حال أريد له أن يؤدي وظائف تتجاوز الغاية المدنية التي يطرح من خلالها اليوم.
وعندما ينظر إلى هذا المشروع في ضوء طبيعة الشخصيات التي تتصدره، وما تمثله من خيارات وتوجهات سياسية معروفة، فإن ذلك يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت الاعتبارات الاقتصادية هي المحرك الرئيسي فعلا، أم أن هناك أبعادا استراتيجية أوسع تقف خلف إعادة طرحه بهذه القوة والزخم..
النقاش الحقيقي، يجب أن ينصب على الأهداف الاستراتيجية للمشروع، والجهات المستفيدة منه، والدور الذي يراد له أن يؤديه في المستقبل، ومدى انسجامه مع المصلحة الوطنية اللبنانية الشاملة. فالمشاريع الكبرى لا تقاس فقط بكلفتها وعوائدها المالية، بل أيضا بوظيفتها السياسية والاستراتيجية وانعكاساتها على مستقبل البلاد.
وفي السياسة، كثيرا ما تكشف الوجوه المتكررة ما تعجز البيانات الرسمية عن قوله، وكثيرا ما تكون الأسماء الحاضرة في المشهد أبلغ من التصريحات والشعارات. ومن خلال قراءة مسار الأشخاص والمشاريع معا، يمكن فهم الاتجاهات العامة واستشراف الغايات والخلفيات التي قد لا تكون معلنة بصورة مباشرة.
علي عواد

