أهل السياسة والحكام في بلادنا غرباء عن تاريخنا السياسي والثقافي، وخصوصاً حكام لبنان. ففي الروايات التاريخية يقال إن إحدى الملكات السوريات رمت ابنها في البحر كي لا يفكر الملك بابنه فيستسلم ويترك الحرب، كما تروي روايات أخرى أن مدنا عديدة أحرقت على يد أهلها ولم تستسلم. هذه هي خصائص الثقافة السورية في مواجهة الأعداء، ثقافة ترى أن الصمود والتمسك بالحق أعلى من الخضوع مهما بلغت التضحيات.
والكل يعلم كيف واجه السيد المسيح اليهود والمحتل الروماني والموت، وكيف علق على الصليب ولم يخضع ولم يتراجع، بل علم الإنسانية كلها كيف يكون الانتصار للحق، وكيف ينتصر الحق بصاحبه. وكذلك يعلم الجميع ما جرى يوم أحد ساعة جرح النبي، والاضطراب الذي حصل من بعض الذين كانوا حوله، وكيف بقي ثابتا رغم كثرة أعدائه واضطراب من كانوا معه، فواصل القتال ولم يخضع ولم ينكسر ولم يفكر بالاستسلام قط، وانتصر لقول الحق والحق انتصر فيه.
وفي العصر الحديث وقف سعاده جبلا شامخا في وجه الطغاة الفاسدين في بلادنا، وواجه الموت بثبات ولم يلن ولم يستسلم. ومن هنا تتجلى ثقافتنا الحقيقية، ثقافة الشعب السوري، ثقافة واحدة ممانعة وثابتة، تقاتل بكل إمكانياتها ولا تستسلم ولا تسلم للأعداء.
وهذه الثقافة تمثل روح كل مواطن في بلادي، سواء كان على رسالة السيد المسيح، أو على رسالة النبي محمد، أو على رسالة القومية الاجتماعية والدولة المدنية. فالمسيح رفض الخضوع، والنبي محمد رفض الاستسلام، وسعاده رفض الخنوع، وجميعهم حاربوا من أجل الحرية وثبتوا على الحق والحقيقة، رغم أنهم لم يمتلكوا جيوشا جرارة، ولم يكونوا مدعومين من دول نافذة، ولم يكن لديهم ملايين الأنصار في العالم العربي والعالم، بل كانوا وحدهم أو مع قلة قليلة نذرت نفسها في سبيل القضية الإنسانية وقضية شعبها.
وإذا كانت هذه هي ثقافة شعبنا، وكانت هذه الثقافة متجذرة في صميم الشخصية الإيمانية لغالبية الامة، فمن أين جاء هؤلاء الحكام الرسميون بثقافة الاستسلام وبيع القضية من أجل مصالحهم الخاصة؟ وعلى أي دين هم، على دين اليهودية السياسية، ودين المستعمر الأمريكاني الذي لا دين له إلا سرقة الشعوب ونهب خيرات الأمم واحتلال الأوطان.
وإذا كان المقياس الحقوقي والإنساني والإيماني والسياسي قائما على هذه القاعدة الثقافية التي ذكرناها، فإن هؤلاء المسؤولين يصبحون غرباء عن الشعب وأصوله الفكرية، وليسوا أبناء حقيقيين لهذه الأرض. ففي معارك المصير التي خاضها شعبنا عبر تاريخه الطويل، كان ابناؤنا يربحون معارك ويخسرون أخرى، لكننا لم نجد شخصية وازنة تستسلم وتسلم أعناق أبناء شعبها للغازي والمحتل.
إن أغلب الحكام في المناطق السورية مصابون بمرض النزعة الفردية، ويتمسكون بالاستفراد السياسي المخالف لمصالح الأمة والوطن، بينما تأتي سياساتهم العامة مضادة للاتجاه النفسي والقيمي لعموم الشعب، في وقت لا يطلب فيه الشعب منهم سوى الحرية والسيادة والتحرر. وقد تفشت هذه النزعة الفردية بشكل واضح بين المسؤولين في لبنان والشام وفلسطين.
وإلى جانب ذلك ظهرت أحزاب انعزالية مذهبية تحولت إلى كتل سياسية تعمل بكل قوتها لإبرام صفقات نفعية، وتقوم بالمساومة على قضيتنا السورية، سواء في فلسطين أو لبنان أو الشام. وهذه الغربة عن المصالح القومية من قبل المسؤولين والمؤيدين لهم جعلت بلادنا مسرحا واسعا ومريحا للعدو اليهودي وللاستعمار الأميركاني.
كما أن ابتعاد الحكومات عن إرادة الشعب يهدد بفتح أبواب الاقتتال الداخلي، وهو أمر لا يستفيد منه إلا العدو المحتل، وخاصة في ظل تسارع الحكومات في لبنان والشام وفلسطين نحو المفاوضات المباشرة مع العدو اليهودي، وبرعاية جلادنا المستعمر الأميركاني، بهدف إبرام صك الاستسلام الذي أعده العدو لنا. إن هذا المسار التفاوضي ليس إلا تنازلا عن الحقوق الطبيعية والمشروعة لشعبنا في لبنان وفلسطين والشام، بل في الوطن كله.
إن خلاصنا لا يكون بالاستسلام، بل بالاعتماد على قوتنا التي وحدها تقرر نيل حقنا. فقوتنا أننا أصحاب الأرض، وأن حياتنا تدور عليها منذ ما قبل التاريخ الجلي. وقوتنا أننا شعب مسالم في أرضه، هاجمته الهجرة اليهودية المتوحشة المدعومة من الغرب الاستعماري وحلفائه. وقوتنا أيضا أن الغالبية العظمى من شعبنا تدرك خطر العدو اليهودي ومطامعه، كما أن قوتنا تكمن في الوحدة الشعبية ولو شابتها بعض المغالطات، وفي المقاومة الموجودة في فلسطين ولبنان، والشام والعراق والأردن.
ومن عناصر قوتنا أيضا أن لنا في هذا الظرف الإقليمي والدولي حليفا صادقا ومجربا ومخلصا لشعبنا، وهو الجمهورية الإسلامية في إيران. وعلى الرسميين في بلادنا أن ينسقوا معها لوقف الغطرسة اليهودية والأميركانية، لأن بقاء هؤلاء الرسميين والحكومات على هذا النهج يجعلهم أكبر مواضع الضعف في واقعنا.
وعندما يخرج الحكام على إرادة الشعب، وتخرج الحكومات عن المبادئ والحقوق الوطنية، وتساوم العدو عليها، فإن هذه الطبقة الحاكمة تخرج من النسيج الوطني والاجتماعي والحقوقي والأخلاقي للأمة، ويصنفها القانون الحقوقي والقانون القيمي الإنساني في خانة الخيانة.

