في زمن الفيلسوف اليوناني الكلبيّ ديوجين، عرفت اليونان الكثير من الاضطرابات السياسية، على الرغم من التقدم الحضاري آنذاك وتحرر الفكر ونبوغ أهل البلاد. صادف ديوجين بدوره الكثير من المسائل المستعصية في السياسة كما يحصل في زمننا الحالي: فضائح تتناول الحاكم ومستشاريه وكيف تتم المداولات في قاعة الحكم، وأيضا كيفيّة الوصول إلى القرار الحاسم! ومن يؤثّر على من؟
هذا الموضوع في زمننا، ينسحب على رؤساء الشركات والمصالح كما أيضا على رؤساء جمهوريات العالم، أكانت جمهورية موز وغوافا فاشلة أم جمهورية متسلّطة، تهدد العالم بالحروب والسقوط الاقتصادي المريع.
نبدأ أولا مع ديوجين، هو لم يكن واحدا من المفكّرين الذين سعوا لنيل النفوذ من خلال تقرّبه من الأنظمة السياسية، ولكنّه على العكس من ذلك كان ينتقد السياسة ورجال السياسة على حدّ سواء، وقد تركّزت فلسفته على اعتماد الإنسان على ما هو ضروري ومفيد لحياته.
كان ديوجين يطرح الأسئلة حول ما هو فعلا مهمّ بالنسبة للإنسان وما هو مضرّ! وقد فرضت نظريات ديوجين نفسها على علم السياسة قبل آلاف السنين من ظهور النظريات الحديثة وكان واحدا من المفكّرين المستفزّين في اليونان القديمة وقد نبذ الثراء والمناصب الاجتماعية واستبدلها كلّها بالتواضع والبساطة ومعرفة الحقيقة، لم يعش ديوجين من خلال النظريات البعيدة عن التصديق، بل بقي مكتفيا بالفقر.
كان يعتقد أن الحكمة تكمن من خلال الاستقلالية وليس من خلال القوّة المفرطة والبطش والامتيازات التي يحيط رجال السياسة أنفسهم بها.
هذه الطروحات ظهرت من خلال بوادر تفكيره السياسي ونمو بذور الحكمة السياسية لديه، كما قدّم ديوجين مفهومه عن الملك الحكيم كالتالي:
لا يكون الملك حكيما إذا كان ذكيا وصاحب سلطة فحسب، بل تنعكس الحكمة لديه في مقدرته على معرفة دواخل الآخرين. وعليه أن يستعين بمستشارين قادرين على معرفة الصحّ من الخطأ واستشفاف الحقيقة من الضلال. وعلى الحاكم الذي ينتقي مستشارا حكيما، أن يتمتع هو الآخر بدرجة معينة من الحكمة لأنه بدون هذه الحكمة ومهما كانت النصيحة التي تعطى له سديدة فهو على استعداد أن يفسدها ويحوّلها الى سمّ قاتل.
لقد أظهر التاريخ الحديث والتجارب الحديثة في السياسة أن العديد من القادة أخفقوا بسبب فقدان المشورة الصالحة من مستشاريهم، وذلك بسبب حبّ الذات والخوف والاعتقاد أنهم معصومون من الخطأ.
نشهد اليوم حكّاما من الصعب عليهم أن يقتنعوا ويعترفوا بالخطأ ويصعب عليهم تقدير خطورة الأزمات وما يجب ان يتّخذ من قرارات حاسمة لمصلحة البلاد.
بدوره وصف الفارابي في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” و “السياسة المدنيّة” صفات “الرئيس الأول” للمدينة الفاضلة بهذه الصفات:
يجب أن يكون الرئيس المثالي جامعا بين الحكمة والقدرة العمليّة. وأن يكون للرئيس عقل هيولاني قد اكتمل وصار عقلاً بالفعل، يعني وصل إلى أعلى درجات الفهم العقلي، يدرك الموجودات كلها على ما هي عليه، من الإله إلى الأمور الجزئيّة وأن يحب الصدق ويكره الكذب بطبعه، لديه الشجاعة، العفة، السخاء، العدالة، وكراهية للظلم. نفسه كبيرة، لا يطمع في المال واللذّة ….
بالله عليكم هل نجد هذه الصفات في رئيس واحد من الرؤساء المنوطة بهم قضية أمّتنا؟ هل كان الفارابي يحلم أم أنه يتكلم بوحي من العقل والفهم والمعرفة وما يجب ان يكون عليه الرئيس فعلا؟
بعيدا عن صفات الشجاعة والمروءَة والعفّة والاعتدال وحب الحقيقة، بعيدا عن كل هذه الصفات هل ثمّة رئيس قادر على اتخاذ قراراته بحريّة كما يمليه عليه ضميره وليس الإملاءات الخارجيّة!
يقول الفارابي أنّه لو اجتمعت كل هذي الصفات في شخص واحد سيكون الرئيس الأوّل الفاضل، وهذا أمر نادر بالفعل.
يقول شاتو بريان الكاتب الفرنسي والشاعر الكبير ورجل السياسة والدبلوماسية:
” ثمّة أوقات علينا أن نقتصد فيها في عملية توزيع الازدراء بسبب العدد الكبير من البشر الذين يستحقونه”.
فعلا لم يعد الازدراء يكفي الكلّ، ومهما اقتصدنا لن نجد ما يكفي لكلّ هؤلاء الحكّام الذين هدموا الحضارات و القيم والأخلاق وكل علامات الإنسانية في بلادنا .

