يعيش الشعب السوري حالة تخبط لم يعرفها من قبل، أمان شبه معدوم وانفلات أمني كبير على كامل الجغرافيا السورية وحالة معيشية سيئة تصل حدّ الجوع في أغلب الحالات، وانعدام الفرص، والحكومة تعيش في برزخ لا يشبه الشارع بأي شكل من الأشكال.
من يتابع الشأن السوري يرى بوضوح أن ما يحدث في سوريا حالة إعادة برمجة المواطن السوري على أفكار لا تشبه تكوينه بدأت بذرتها منذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد واستلام التيار الإسلامي المتشدد مقاليد الحكم في دمشق، انتشر الاحتقان الطائفي حتى أصبح هوية اجتماعية شبه واقعية ومن خلاله يتم تمرير العديد من القضايا المحورية التي قد تؤدي إلى سقوط النظام السياسي القائم، وصدق وزير خارجية الجولاني الذي صرح منذ البداية أن الشعب لا يحق له أن يسأل الحكومة إلى أين تأخذه بعد أن حرره، ولكن مفاهيم الثورة والتحرير بدأت تسقط بشكل واضح عند من كان مبهوراً بانجاز رحيل النظام السابق والحرية المنشودة التي كانت شرارة ما سمي بالثورة السورية في عام 2011.
بدأت الأصوات في الشارع السوري تعلو وتئن من ضيق العيش وارتفاع الأسعار رغم رفع العقوبات وفتح السوق السورية لتكون سوقاً حراً كما تدعي الحكومة الحالية، والذي بدوره كان يجب أن يظهر آثاره الإيجابية على الاقتصاد السوري بعد عام ونصف ولكن الحالة الاقتصادية بالنسبة للمواطن باتت أسوأ من أيام العقوبات، وزادت الطين بلة انعدام فرص العمل وعدم انطلاق أي من المشاريع التي وعد بها المواطن السوري، بل اقتصرت الانجازات الحكومية على تدابير كان من شأنها زيادة هذه المعاناة وترسيخ الفقر، ارتفعت أجور الطاقة وأصبحت الكهرباء عبئاً على المواطن بعد أن كانت شريان حياته، وجاءت آخر التدابير الحكومية برفع جمارك كل ما يتم استيراده بنسبة 40% ضربة قاضية للمواطن فهو أول المتأثرين والمتضررين فكلما ارتفعت الأسعار أزداد العبء الاقتصادي عليه دون وجود مصادر دخل ثابته أو حتى مستقرة، وبدأت مواقع التواصل تشتعل بحالات الاستنكار والرفض لهذا الواقع ولكن دائماً يتم صناعة أحداث تشغل الشعب عن قضاياه، فكلما كثر النقد لهذه الحكومة يبدأ بشكل غريب حالات من التحريض الطائفي والذي بات بشكل علني يقول «لا تنتقدوا كي لا يشمت الأقليات» دون إيجاد حلول حقيقية تنتشل البلاد من أزمتها وركود اقتصادها.
أما رموز السلطة فنراهم على وسائل الإعلام منفصلين عن الواقع تماماً كأنهم يعيشون في بلد آخر وإذا وصل إليهم صوت ناقد يتجهون للرد المتعالي كما فعل والد الجولاني «حسين الشرع» على إحدا القنوات التلفزيونية حين عبر عن رأيه تجاه محافظة دير الزور وتحقير أهلها بشكل مهين ما أشعل أزمة كبيرة كادت تكون شرارة الثورة الثانية ما استدعى تدخل الجولاني ليعتذر عن تصريح والده الغير موفق لتهدئة الشارع في المحافظة.
يوماً بعد يوم تسير سوريا بخطى ثابتة نحو المزيد من الفوضى طالما أنها محكومة بأهواء الأفراد لا بالقوانين والأنظمة الدستورية، وكل يوم يبتعد الشعب السوري بكل أطيافه عن حقيقة هويته الوطنية إلى تكتلات مناطقية وطائفية وعشائرية، ويسعى حكام سوريا لإعادة انتاج مجتمع كان يعيش في عام 600 ميلادي ولكن يلبس ثوب 2026 متناسين أو جاهلين بأن حالة التطور الزمني الذي نعيشه في هذا العصر ستكون الضربة القاضية والحاسمة لوجود هذه الجماعة في عالم السياسة السوري العريق، ويتناسون أن الشعب السوري لا يمكن حكمه إلا بتوفير وسائل الحياة والكرامة مهما كانت الشعارات.
سومر الفيصل

