يبدو من تسلسل الأحداث في الشرق الأوسط وما تمخضت عنه حتى الآن من حرب تدميرية على قطاع غزة، تخللتها عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي واعتداءين إسرائيليين على إيران ولبنان، قد حسمت الجدل حول أهداف الحركة الصهيونية واسرائيل – بدعم أميركي- من وراء هذه الاعتداءات. بالنسبة الى قطاع غزة، ظهر جليا ان اسرائيل استغلّت احداث السابع من تشرين ألأول2023 من اجل تنفيذ اهدافها الإستراتيجية واحلامها التوسعية: تصفية القضية الفلسطينية واستكمال احتلالاتها في قطاع غزة والضفة الغربية تمهيدا للسيطرة على فلسطين التاريخية وضم جزء من جنوب لبنان.
وأخصص هذا المقال لبعض مخططات اسرائيل تجاه لبنان اذ ان بعض فئات الشعب اللبناني لا يزال غير مقتنع بنوايا اسرائيل التوسعية، بل يضع اللوم كله تجاه ما يجري على المقاومة وحزب الله.
ولمن يحتاج الى أدلّة دامغة على مخططات اسرائيل التوسعية تجاه لبنان، وتوخيا للموضوعية ونزاهة الاستنتاج، ألفت الانتباه الى كتاب صدر باللغة العبرية سنة 2000 وصدرت الطبعة العربية الأولى في سنة 2017 تحت عنوان «المتاهة اللبنانية – سياسة الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل تجاه لبنان (1918-1958 ) » ويقع هذا الكتاب في 871 صفحة (بما فيها 216 صفحة خصصها المؤلف للحواشي والوثائق).
بعد قراءتي لهذا الكتاب باللغة العربية ومراجعة الوثاق المدرجة فيه باللغة العبرية والتعرف
على هوية المؤلف رؤوفين أرليخ* والمناصب التي تبوأها ، وجدت ان هذه الدراسة ذات
موثوقية لما يتمتع به المؤلف من معلومات ارشيفية ومصادر مهمة.
ان «المتاهة اللبنانية» هو خلاصة رؤية وتفحص ايرليخ للعلاقات بين المشروع الصهيوني في فلسطين منذ بدايته وحتى العام 1958 مع أطراف لبنانية بالإستناد الى وثائق سرية وتقارير
*رؤوفين ارليخ ( جنرال اسرائيلي من اصل بولندي مختص في الشؤون البنانية والسورية والفلسطينية، خدم في الجيش الإسرائيلي لمدة ثلاثسن عاما في قسم المخابرات وتقاعد سنة 1994، يتولى حاليا منصب مدير عام مركز مئير عاميت لشؤون الأمن وألإرهاب . وخلال الفةرة ما بين 1991،و1993 كان إيرليخ عضوا في الوفد الإسرائيلي في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن . وانجز هذا البحث الأكاديمي وحصل على شهادة دكتوراة من جامعة تل ابيب سنة 1998.
لإجهزة الأمن الصهيونية بكافة فروعها ،ولقاءات شخصية ومحاضرات لكبار العسكريين والسياسيين الصهيونيين ..فهذه كلها تدور حول احتلال جنوب لبنان ومصادرة ثرواته المائية.
ويطرح المؤلف في هذا الكتاب مواضيع عديدة ومتشعبة يستعرض خلالها اربعين عاما من سياسة الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل تجاه لبنان ، وتتراوح تلك المواضيع ما بين العمليات العسكرية الصهيونية في الجليل الفلسطيني والجنوب اللبناني ، ألإتصالات السرية ، وتمويل فئات واشخاص في لبنان الكبير وفلسطين ، محاولات الإستيطان في سهل مرجعون ومناطق أخرى من لبنان ، كفصل سهل الحولة عن منطقة مرجعون وشراء ألأراضي والتجار والسماسرة ، طرد المواطنين اللبنانيين والفلسطينيين من أراضيهم بواسطة شبكة من العملاء.
يقدّم كتاب المتاهة اللبنانية لرؤوفين أرليخ قراءة معمّقة للعلاقة التي نسجتها الحركة الصهيونية ثم دولة الاحتلال مع لبنان منذ أواخر العهد العثماني وحتى عام 1958، وهو لا يكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل يحاول كشف الطريقة التي نظر بها العقل الإسرائيلي إلى لبنان باعتباره ساحة ذات أهمية استثنائية في المشرق العربي. فلبنان، وفق ما يعرضه الكتاب، لم يكن مجرّد دولة مجاورة لفلسطين المحتلة، بل مساحة جغرافية وسياسية واجتماعية اعتُبرت قابلة للتأثير والاختراق، وفي الوقت نفسه شديدة التعقيد وعسيرة الفهم، وهو ما يفسّر عنوان الكتاب: «المتاهة اللبنانية».
وينطلق المؤلف من المرحلة المبكرة التي سبقت قيام دولة الاحتلال، حيث بدأت النخب الصهيونية تتابع الواقع اللبناني باهتمام متزايد، انطلاقاً من موقع لبنان الجغرافي الملاصق لفلسطين، ومن كونه منفذاً بحرياً مهماً، إضافة إلى تركيبته الطائفية المتعددة التي رأت فيها تلك النخب فرصة لبناء علاقات مع جماعات يمكن أن تتقاطع مصالحها مع المشروع الصهيوني. ومنذ ذلك الوقت، بدأ التفكير الإسرائيلي المبكر في كيفية الاستفادة من التباينات الداخلية اللبنانية لإيجاد موطئ قدم سياسي أو اقتصادي داخل البلاد.
ويصل الكتاب إلى محطة مفصلية عند أزمة عام 1958 اللبنانية، حين انفجر الصراع الداخلي بين معسكرات متنافسة على خلفية الصراع الإقليمي بين المد القومي العربي والمحاور الغربية. في تلك اللحظة، تابعت «إسرائيل» التطورات باهتمام بالغ، ورأت في الأزمة فرصة محتملة لإعادة رسم موقع لبنان السياسي، لكنها اكتشفت مجدداً أن التعقيد اللبناني أكبر من أي مخطط خارجي، وأن توازناته الداخلية لا تسمح بسهولة بفرض مشروع ثابت أو دائم.
في خلاصته العامة، يبيّن الكتاب أن «إسرائيل» لم تتعامل مع لبنان يوماً كجار عادي، بل كبلد يحمل فرصاً استراتيجية ومخاطر في آن واحد. فهو مساحة يمكن النفاذ منها إلى المشرق العربي، وساحة يمكن استغلال انقساماتها، لكنه أيضاً مجتمع سريع التحول، يصعب الإمساك به أو ضمان اتجاهاته السياسية. ومن هنا تبدو «المتاهة اللبنانية» وصفاً دقيقاً لعلاقة قامت على الطموح الإسرائيلي المستمر، يقابله عجز دائم عن فهم لبنان والسيطرة على مساره.
ملامح السياسة الصهيونية تجاه لبنان:
تشهد المنطقة الحدودية بين إسرائيل ولبنان، لا سيما منذ أواخر عام 2023 وتصاعداً في 2026، نقاشات وتحركات إسرائيلية تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي. تتلخص هذه السياسة في السعي لإنشاء «منطقة عازلة» أو «حزام أمني» عبر الاستيطان العسكري والأمني، مع دعوات متزايدة من أطراف يمينية إسرائيلية لتمديد الاستيطان المدني إلى ما وراء الحدود الحالية.
أبرز ملامح سياسة الاستيطان والتحركات على الحدود اللبنانية (حتى أيار/ مايو 2026):
- إنشاء منطقة عازلة (منطقة أمنية): تركز إسرائيل جهودها العسكرية على السيطرة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، معتبرة أن الحدود الحالية (الخط الأزرق) غير كافية لحماية المنطقة العازلة..
- التصعيد الميداني ايار 2026
تتواصل الاشتباكات والهجمات بالصواريخ والمسيّرات وعمليات تدمير واسعة لمناطق الجنوب . - المفاوضات ومسارت التسويرعاية أمريكية لصياغة وثائق وترتيبات أمنية جديدة، وسط مساعٍ لإعادة إنتاج دور الجيش اللبناني، حيث يجرى بحث صيغ مختلفة لإنهاء دور قوات «اليونيفيل» الحالي واستبداله بترتيبات دولية جديدة.
إنني أهيب بكل لبناني حر سواء المواطن العادي او من هم في موقع المسؤولية الرسمية او الحزبية قراءة هذا الكتاب الذي يقطع الشك باليقين بأن الحركة الصهيونية تسعى الى تطبيق ما فعلته في فلسطين على لبنان جوهرة أخرى من الوطن العربي. وانا شاهد على ما اقول.
سمير جبّور

