لم تكن المأساة السورية ـ اللبنانية حدثًا عابرًا في تاريخ المنطقة، ولا مجرد سلسلة أزمات سياسية متراكمة، بل كانت التعبير الأكثر قسوة عن فشل مشروع الدولة الحديثة في المشرق العربي منذ ولادته الأولى بعد الحرب العالمية الأولى. فمنذ أن اجتمع الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس مع نظيره الفرنسي فرانسوا جورج بيكو لرسم خرائط النفوذ فوق جغرافيا بلاد الشام، بدأت المنطقة تدخل زمنًا جديدًا: زمن الكيانات الهشة، والحدود المصطنعة، والدول التي وُلدت ناقصة السيادة، ومجتمعات أُجبرت على العيش داخل صيغ سياسية لم تنبع من تطورها الطبيعي، بل من المصالح الاستعمارية للقوى المنتصرة.
لقد كانت اتفاقية سايكس بيكو أكثر من مجرد تقسيم جغرافي، كانت لحظة تأسيس لعصر كامل من التشظي السياسي فبلاد الشام، التي عاشت قرونًا ضمن تواصل اجتماعي واقتصادي وثقافي واحد، جرى تفكيكها إلى كيانات منفصلة تُدار وفق منطق السيطرة لا منطق البناء الوطني. ومنذ ذلك الحين، بدأت المنطقة تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج مشروعها التاريخي المستقل، لتتحول إلى ساحة دائمة للصراع بين القوى الكبرى، ومختبر مفتوح لإعادة تشكيل الهويات والانتماءات والولاءات.
في سوريا، لم تتأسس الدولة الحديثة على قاعدة عقد اجتماعي واضح، بل على إرث ثقيل من الانقلابات والتدخلات والصراعات الإيديولوجية. فمنذ الاستقلال، كانت البلاد تعيش صراعًا دائمًا بين تيارات متعددة: القومية، والليبرالية، والإسلام السياسي، والعسكر، والمشاريع الوحدوية والانفصالية. لكن ما جمع هذه المراحل كلها هو غياب الاستقرار البنيوي الحقيقي. فالدولة السورية بقيت دولة قلقة، تخاف الانهيار الداخلي أكثر مما تخاف التهديد الخارجي.
ثم جاءت سلسلة الانقلابات العسكرية لتكشف هشاشة البنية السياسية والاجتماعية. فالجيش الذي كان يفترض أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، تحوّل تدريجيًا إلى أداة للصراع على السلطة. ومع صعود حزب البعث العربي الاشتراكي، بدا أن سوريا تتجه نحو مشروع قومي راديكالي يَعِد بالوحدة والتحرير والعدالة الاجتماعية، لكن الواقع سرعان ما كشف أن الشعارات الكبرى لم تستطع بناء دولة مؤسسات حقيقية.
لقد حمل البعث خطابًا قوميًا واسعًا، لكنه في العمق أعاد إنتاج السلطة بطريقة أكثر مركزية وقسوة. فالدولة التي رفعت شعارات الأمة الواحدة، تحولت تدريجيًا إلى دولة أمنية تُدار بالخوف والرقابة والإقصاء السياسي. وعندما تسلم حافظ الأسد السلطة بعد الحركة التصحيحية في سوريا، دخلت سوريا مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الدولة والمجتمع معًا.
استطاع الأسد الأب أن يبني نظامًا شديد التماسك أمنيًا، وأن يفرض استقرارًا طويلًا مقارنة بما سبق، لكنه في المقابل حوّل الدولة إلى منظومة مغلقة مرتبطة ببنية أمنية معقدة. لم تعد السياسة في سوريا تعبيرًا عن المجتمع، بل أصبحت امتدادًا للأجهزة. ولم يعد المواطن شريكًا في الدولة، بل فردًا يعيش داخل منظومة تخاف من أي حركة مستقلة خارج سيطرتها.
ومع الوقت، بدأت الدولة السورية تفقد حيويتها الداخلية. فالمؤسسات تحولت إلى هياكل شكلية، والحياة السياسية جُمّدت بالكامل، والاقتصاد أُنهك بالفساد والمحسوبيات، فيما تراكم الاحتقان الاجتماعي بصمت تحت سطح الاستقرار الظاهري. كان النظام يبدو قويًا من الخارج، لكنه في الداخل كان يؤجل الانفجار فقط.
أما لبنان، فقد كان النموذج الأكثر وضوحًا لفشل الكيانات الطائفية في بناء دولة وطنية. فمنذ تأسيس دولة لبنان الكبير، جرى بناء النظام السياسي على قاعدة المحاصصة الطائفية، لا على قاعدة المواطنة. وتحول الانتماء الطائفي إلى هوية سياسية واجتماعية واقتصادية كاملة. ومع مرور العقود، أصبحت الدولة اللبنانية مجرد مساحة لتوازن القوى بين الطوائف والزعامات، بينما تراجعت فكرة الدولة المركزية القادرة على إدارة المجتمع بشكل متساوٍ.
وقد كشفت الحرب الأهلية اللبنانية حقيقة الانقسام العميق داخل الكيان اللبناني، حيث تحوّل البلد إلى ساحة حرب مفتوحة لكل مشاريع المنطقة والعالم.
ومع دخول الجيش السوري إلى لبنان، بدأت مرحلة طويلة من الوصاية السورية التي حاولت ضبط التوازنات اللبنانية بالقوة الأمنية والسياسية. لكن هذه السيطرة لم تُنتج استقرارًا حقيقيًا، بل عمّقت بنية النظام الطائفي والزبائني، وربطت الاقتصاد والسياسة بشبكات نفوذ متداخلة بين دمشق وبيروت.
ثم جاء اغتيال رفيق الحريري ليشكّل نقطة تحول تاريخية. فالحدث لم يكن مجرد اغتيال سياسي، بل بداية تصدع كبير في التوازنات التي حكمت لبنان بعد الحرب. ومنذ ذلك الوقت، دخل لبنان مرحلة استقطاب حاد بين مشاريع إقليمية متصارعة، فيما كانت الدولة تتآكل تدريجيًا حتى وصلت إلى الانهيار المالي والاجتماعي الكامل بعد عام 2019.
لكن الزلزال الأكبر بدأ في سوريا عام 2011. فعندما خرجت الاحتجاجات الشعبية، اعتقد كثيرون أن النظام السوري سيسقط بسرعة كما حدث في دول عربية أخرى. إلا أن سوريا لم تكن دولة عادية، بل عقدة جيوسياسية معقدة تتقاطع فيها مصالح العالم كله تقريبًا. ولذلك تحولت الثورة سريعًا إلى حرب إقليمية ودولية مفتوحة.
دخلت إيران دفاعًا عن محور نفوذها، وتدخلت روسيا لحماية آخر موطئ قدم استراتيجي لها في المتوسط، بينما دعمت تركيا قوى مختلفة مرتبطة بحساباتها الأمنية والقومية، وتدخلت الولايات المتحدة ضمن صراعها الأوسع في المنطقة. وهكذا تحولت سوريا إلى خريطة نفوذ دولية، وانقسمت البلاد بين جيوش وقواعد وميليشيات ومشاريع متصارعة.
وفي خضم هذا الخراب، ظهر تنظيم الدولة الإسلامية ليضيف طبقة جديدة من الرعب والانهيار، وليحوّل الصراع من ثورة ضد النظام إلى حرب عالمية على الإرهاب، ما سمح بإعادة ترتيب الأولويات الدولية والإقليمية بطريقة ساهمت في إطالة عمر المأساة السورية.
لقد كانت الحرب السورية لحظة انهيار شاملة لفكرة الدولة الوطنية في المشرق. فكل التناقضات التي تراكمت منذ سايكس بيكو انفجرت دفعة واحدة: الطائفة ضد الطائفة، القومية ضد القومية، الإسلام السياسي ضد الدولة، العسكر ضد المجتمع، والولاءات الخارجية ضد السيادة الوطنية.
أما لبنان، فقد كان يسقط بالتوازي مع “سوريا” ولكن بطريقة مختلفة. فسوريا احترقت بالنار والسلاح، بينما احترق لبنان بالفساد والطائفية والانهيار المالي. ومع انفجار مرفأ بيروت، بدا وكأن الدولة اللبنانية نفسها قد انفجرت رمزيًا أمام العالم. لم يعد الانهيار مجرد أزمة اقتصادية، بل تحوّل إلى سقوط شامل لفكرة الدولة وقدرتها على حماية مجتمعها.
واليوم، مع الحديث عن سقوط مرحلة الأسد أو أفول النظام الذي حكم سوريا لعقود، تبدو المنطقة كلها أمام لحظة تاريخية غامضة. فالمشكلة لم تكن يومًا في شخص واحد فقط، بل في نموذج كامل من الحكم قام على الأمن بدل السياسة، وعلى الولاء بدل المؤسسات، وعلى الخوف بدل المشاركة الوطنية.
لكن سقوط النظام أو ضعفه لا يعني تلقائيًا ولادة البديل. فالمشرق اليوم يعيش أخطر مراحله منذ قرن. سوريا مقسمة فعليًا إلى مناطق نفوذ متعددة، ولبنان يتحول تدريجيًا إلى دولة عاجزة بالكامل، فيما تتراجع فكرة الهوية الوطنية أمام صعود الانتماءات الطائفية والمناطقية والإثنية.
إن أخطر ما أنتجته مئة سنة من سايكس ـ بيكو ليس فقط تقسيم الجغرافيا، بل تدمير فكرة الدولة الطبيعية. فالإنسان في المشرق لم يعد يثق بالدولة، بل بالطائفة والعشيرة، والحزب، والسلاح، والزعيم. وهذه هي الهزيمة الكبرى التي أصابت سوريا ولبنان معًا.
لقد أثبت القرن الماضي أن الأنظمة التي بُنيت على القمع وحده لا تستطيع أن تستمر إلى الأبد، كما أثبت أيضًا أن المجتمعات المنقسمة والطائفية لا تستطيع بناء ديمقراطية حقيقية دون مشروع وطني جامع. وبين هذين الفشلين ضاع المشرق كله في دوامة الدم، والانهيار، والهجرة، والتبعية.
من سايكس ـ بيكو حتى سقوط الأسد، لم يكن تاريخ سوريا ولبنان سوى رحلة طويلة من الصراع على معنى الدولة ومعنى الهوية ومعنى السيادة. قرن كامل حاولت فيه القوى الخارجية رسم مستقبل المنطقة، بينما عجزت النخب المحلية عن بناء مشروع وطني يتجاوز الطائفة والخوف والاستبداد. واليوم، يقف المشرق على أنقاض قرنٍ كامل من الانكسارات، لا يعرف إن كان يتجه نحو ولادة جديدة أم نحو تفكك أكبر. لكن المؤكد أن الخرائط لا تسقط وحدها، والأنظمة لا تنهار وحدها، بل تسقط معها أوهام كاملة عن السياسة والسلطة والوطن. وربما تكون الحقيقة الأكثر قسوة أن شعب “سوريا” ولبنان خسر خلال مئة عام ثقته بفكرة الوطن نفسها.
إبراهيم الدن

